كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٢٣ - باب الفحص عن أمر دمنة
أحوال النّاس و لا يقدر على دفع الشرّ عن نفسه و لا يستطيع ذلك، قالت أمّ الأسد:
أ تظنّ أيّها الغادر المحتال بقولك هذا أنّك تخدع الملك و لا يسجنك، قال دمنة:
الغادر هو الذي لا يأمن عدوّه مكره و إذا استمكن من عدوّه قتله على غير ذنب، قالت أمّ الأسد: أيّها الغادر الكذوب أ تظنّ أنّك ناج من عاقبة كذبك و إنّ محالك هذا ينفعك مع عظم جرمك، قال دمنة: الكذوب هو الذي يقول ما لم يكن و يأتي بما لم يقل و لم يفعل و كلامي حقّ مبين، قالت أمّ الأسد: العلماء منكم من قضى حاجته فيه، ثم نهضت فخرجت، فدفع الأسد دمنة إلى القاضي فأمر القاضي بحبسه فألقي في عنقه حبل و انطلق به إلى السّجن.
فلمّا انتصف اللّيل أخبر كليلة أنّ دمنة في الحبس فأتاه مستخفيا فلمّا رآه و ما هو عليه من ضيق القيود و حرج [١] المكان بكى و قال له: ما وصلت إلى ما وصلت إليه إلاّ لاستعمالك الخديعة و المكر و إضرابك [٢] عن العظة، و لكن لم يكن لي بدّ فيما مضى من إنذارك و النّصيحة لك و المسارعة إليك في خلوص الرّغبة فيك، فإنّه لكلّ مقام مقال، و لكلّ موضع مجال، و لو كنت قصّرت في عظتك حين كنت في عافية لكنت اليوم شريكك في ذنبك، غير أنّ العجب [٣] دخل منك مدخلا قهر رأيك و غلب على عقلك، و كنت أضرب لك الأمثال كثيرا و أذكّرك قول العلماء، و قد قالت العلماء: إنّ المحتال يموت قبل أجله، قال دمنة: قد عرفت صدق مقالتك، و قد قالت العلماء: لا تجزع من العذاب إذا وقعت منك خطيئة، و لأن تعذّب في الدنيا بجرمك خير من أن تعذّب في الآخرة بجهنّم مع الإثم. قال كليلة: قد فهمت كلامك و لكنّ ذنبك عظيم و عقاب الأسد شديد أليم. و كان بقربهما في السجن فهد معتقل [٤] يسمع كلامهما و لا يريانه، فعرف معاتبة كليلة لدمنة على سوء فعله و ما كان
[١] حرج: ضيق.
[٢] إضرابك: إعراضك.
[٣] العجب: الكبر.
[٤] معتقل: محبوس.