كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١١٧ - باب الأسد و الثور
و إنّما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنّك إذا غدرت بصاحبك لا شكّ بمن سواه أغدر، و أنه إذا صاحب أحد صاحبا و غدر بمن سواه فقد علم صاحبه أنه ليس عنده للمودّة موضع فلا شيء أضيع من مودّة تمنح من لا وفاء له، و حباء [١] يصطنع عند من لا شكر له، و أدب يحمل إلى من لا يتأدّب به و لا يسمعه، و سرّ يستودع عند من لا يحفظه، فإنّ صحبة الأخيار تورث الخير، و صحبة الأشرار تورث الشرّ كالرّيح إذا مرّت بالطّيّب حملت طيبا، و إذا مرّت بالنّتن حملت نتنا، و قد طال و ثقل كلامي عليك.
فانتهى كليلة من كلامه إلى هذا المكان و قد فرغ الأسد من الثّور [٢] ، ثمّ فكّر في قتله بعد أن قتله و ذهب عنه الغضب، و قال: لقد فجعني [٣] شتربة بنفسه و قد كان ذا عقل و رأي و خلق كريم، و لا أدري لعلّه كان بريئا أو مكذوبا عليه، فحزن و ندم على ما كان منه، و تبيّن ذلك في وجهه و بصر به دمنة فترك مجاورة كليلة و تقدّم إلى الأسد فقال له: ليهنئك الظّفر، إذ أهلك اللّه أعداءك، فما ذا يحزنك أيّها الملك؟ قال: أنا حزين على عقل شتربة و رأيه و أدبه. قال له دمنة: لا ترحمه أيّها الملك فإنّ العاقل لا يرحم من يخافه و أنّ الرّجل الحازم ربّما أبغض الرّجل و كرهه ثمّ قرّبه و أدناه لما يعلم عنده من الغناء [٤] و الكفاءة فعل الرّجل المتكاره على الدّواء الشّنيع رجاء منفعته، و ربّما أحبّ الرّجل و عزّ عليه فأقصاه [٥] و أهلكه مخافة ضرره كالذي تلدغه الحيّة في اصبعه فيقطعها و يتبرّأ منها مخافة أن يسري سمّها إلى بدنه، فرضي الأسد بقول دمنة، ثم علم بعد ذلك بكذبه و غدره و فجوره فقتله شرّ قتلة.
[١] الحباء (بالكسر) : العطاء.
[٢] أي فرغ من قتله.
[٣] فجعني: من الفاجعة و هي الرزية.
[٤] الغناء (بالفتح و المد) : النفع.
[٥] أقصاه: أبعده.
غ