كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١١٠ - باب الأسد و الثور
نفسه فليأكل لحم ذئب، فظنّ الجمل أنه إذا عرض نفسه على الأكل التمسوا له عذرا كما التمس بعضهم لبعض الأعذار فيسلم و يرضى الأسد عنه بذلك و ينجو من المهالك، فقال: لكن أنا فيّ للملك شبع و ريّ و لحمي طيّب هنيء و بطني نظيف فليأكلني الملك و يطعم أصحابه و خدمه فقد رضيت بذلك و طابت نفسي عنه و سمحت به، فقال الذئب و ابن آوى و الغراب: لقد صدق الجمل و كرم و قال ما عرف... ثم إنهم وثبوا عليه فمزّقوه.
و إنّما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنّه إن كان أصحاب الأسد قد اجتمعوا على هلاكي فإني لست أقدر أن أمتنع منهم و لا أحترس، و إن كان رأي الأسد لي على غير ما هم عليه من الرّأي فيّ، فإنّ ذلك لا ينفعني و لا يغني عني شيئا، و قد يقال:
خير السلاطين من عدل في الناس، و لو أنّ الأسد لم يكن في نفسه لي إلاّ الخير و الرّحمة لغيّرته كثرة الأقاويل فإنها إذا كثرت لم تلبث دون أن تذهب الرّقة و الرّأفة، أ لا ترى أنّ الماء ليس كالقول و أنّ الحجر أشدّ من الإنسان، فالماء إذا دام انحداره على الحجر لم يلبث حتى يثقبه و يؤثّر فيه، و كذلك القول في الإنسان.
قال دمنة: فما ذا تريد أن تصنع الآن؟قال شتربة: ما أرى إلاّ الاجتهاد و المجاهدة بالقتال فإنه ليس للمصلّي في صلاته و لا للمتصدّق في صدقته و لا للورع في ورعه من الأجر ما للمجاهد عن نفسه إذا كانت مجاهدته على الحقّ.
قال دمنة: لا ينبغي لأحد أن يخاطر بنفسه و هو يستطيع غير ذلك، و لكنّ ذا الرّأي جاعل القتال آخر الحيل و بادىء قبل ذلك بما استطاع من رفق و تمحّل [١] ، و قد قيل: لا تحقرن العدوّ الضّعيف المهين [٢] و لا سيما إذا كان ذا حيلة و يقدر على
[١] التمحل: الاحتيال.
[٢] المهين: الحقير.