كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٠٨ - باب الأسد و الثور
قال الأسد: و ما ذاك؟قال الغراب: هذا الجمل آكل العشب المتمرّغ بيننا من غير منفعة لنا منه و لا ردّ عائدة و لا عمل يعقب مصلحة. فلما سمع الأسد ذلك غضب و قال: ما أخطأ رأيك و ما أعجز مقالك و أبعدك عن الوفاء و الرّحمة، و ما كنت حقيقا أن تجترئ عليّ بهذه المقالة و تستقبلني بهذا الخطاب مع ما علمت أني قد أمّنت الجمل و جعلت له من ذمّتي، أ و لم يبلغك أنه لم يتصدّق متصدّق بصدقة هي أعظم أجرا ممّن آمن نفسا خائفة و حقن دما مهدورا، و قد آمنته و لست بغادر به. قال الغراب: إني لأعرف ما يقول الملك و لكنّ النفس الواحدة يفتدى بها أهل البيت و أهل البيت تفتدى بهم القبيلة و القبيلة يفتدى بها أهل المصر و أهل المصر فداء الملك، و قد نزلت بالملك الحاجة و أنا أجعل له من ذمّته مخرجا على ألاّ يتكلّف الملك ذلك و لا يليه بنفسه و لا يأمر به أحدا، و لكنّا نحتال بحيلة لنا و له فيها إصلاح و ظفر، فسكت الأسد عن جواب الغراب عن هذا الخطاب. فلمّا عرف الغراب إقرار الأسد أتى صاحبيه فقال لهما: قد كلّمت الأسد في أكله الجمل على أن نجتمع نحن و الجمل عند الأسد فنذكر ما أصابه و نتوجّع له اهتماما منّا بأمره و حرصا على صلاحه، و يعرض كلّ واحد منّا نفسه عليه ليأكله فيردّ الآخران عليه و يسفّهان رأيه و يبيّنان الضّرر في أكله فإذا فعلنا ذلك سلمنا كلّنا و رضي الأسد عنّا. ففعلوا ذلك و تقدّموا إلى الأسد، فقال الغراب: قد احتجت أيّها الملك إلى ما يقوّيك و نحن أحقّ أن نهب أنفسنا لك فإنّا بك نعيش، فإذا هلكت فليس لأحد منّا بقاء بعدك و لا لنا في الحياة من خيرة فليأكلني الملك فقد طبت بذلك نفسا. فأجابه الذئب و ابن آوى: أن اسكت فلا خير للملك في أكلك و ليس فيك شبع، قال ابن آوى: لكن أنا أشبع الملك فليأكلني فقد رضيت بذلك و طبت عنه نفسا، فردّ عليه الذئب و الغراب بقولهما:
إنك لمنتن قذر، قال الذئب: إني لست كذلك فليأكلني الملك فقد سمحت بذلك و طبت عنه نفسا، فاعترضه الغراب و ابن آوى و قالا: قد قالت الأطبّاء من أراد قتل