كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٠٦ - باب الأسد و الثور
غير ذلك، و لكنّها الغدر و الفجور منه فإنّه فاجر خوّان غدّار لطعامه حلاوة و آخره سمّ مميت، قال شتربة: فأراني [١] قد استلذذت الحلاوة إذ ذقتها و قد انتهيت إلى آخرها الذي هو الموت و لو لا الحين [٢] ما كان مقامي عند الأسد و هو آكل لحم و أنا آكل عشب فأنا في هذه الورطة كالنّحلة التي تجلس على نور النّيلوفر [٣] إذ تستلذّ ريحه و طعمه فتحبسها تلك اللذّة، فإذا جاء الليل ينضمّ عليها، فتتلجلج [٤] فيها و تموت، و من لم يرض من الدّنيا بالكفاف الذي يغنيه و طمحت عينه إلى ما سوى ذلك و لم يتخوّف عاقبتها كان كالذّباب الذي لا يرضى بالشجر و الرّياحين و لا يقنعه ذلك حتى يطلب الماء الذي يسيل من أذن الفيل فيضربه الفيل بآذانه فيهلكه، و من يبذل ودّه و نصيحته لمن يشكره فهو كمن يبذر في السّباخ [٥] و من يشر على المعجب فهو كمن يشاور الميت أو يسارّ الأصمّ.
قال دمنة: دع عنك هذا الكلام و احتل لنفسك، قال شتربة: بأيّ شيء أحتال لنفسي إذا أراد الأسد أكلي مع ما عرّفتني من رأي الأسد و سوء أخلاقه، و أعلم أنه لو لم يرد بي إلاّ خيرا، ثمّ أراد أصحابه بمكرهم و فجورهم هلاكي لقدروا على ذلك، فإنه إذا اجتمع المكرة [٦] الظّلمة على البريء الصّحيح كانوا خلقاء [٧] أن يهلكوه و إن كانوا ضعفاء و هو قويّ، كما أهلك الذئب و الغراب و ابن آوى الجمل حين اجتمعوا عليه بالمكر و الخديعة و الخيانة. قال دمنة: و كيف كان ذلك؟
[١] أراني: أرى نفسي.
[٢] الحين (بالفتح) : الهلاك.
[٣] النور: زهر الشجر. النيلوفر و يقال النينوفر: ضرب من الرياض ينبت في المياه الراكدة.
[٤] التلجلج: التردد.
[٥] السباخ جـ سبخة (محركة و مسكنة) : أرض ذات نز و ملح.
[٦] المكرة جـ ماكر.
[٧] خلقاء جـ خليق: جدير.