شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٢ - «باب» مولد النبي
..........
فى عام الفيل باعتبار النسىء [١] حيث كانوا يؤخرون الحج عن ذى الحجة فيحجون سنتين فى محرم و سنتين فى صفر و هكذا الى أن يتم الدور ثم يستأنفونه و على هذا كانت مدة حمله عشرة أشهر بلا زيادة و لا نقصان، بيان ذلك أنه ذكر الشيخ الطبرسى فى مجمع البيان عند تفسير قوله تعالى «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيٰادَةٌ فِي الْكُفْرِ» نقلا عن مجاهد أنه كان المشركون يحجون فى كل شهر عامين فحجوا فى ذى الحجة عامين ثم حجوا فى المحرم عامين ثم حجوا فى الصفر عامين و كذلك فى الشهور حتى وافقت الحجة التى قبل حجة الوداع فى ذى القعدة ثم حج النبي (ص) فى العام القابل حجة الوداع فوافقت فى ذى الحجة فلذلك قال (ص) فى خطبته «الا و ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات و الارض، السنة اثنى عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب مضر الّذي بين جمادى و شعبان» أراد (ع) بذلك أن الاشهر الحرم رجعت الى مواضعها و عاد الحج الى ذى الحجة و بطل النسىء انتهى. اذا عرفت
[١] قوله «باعتبار النسىء» هذا احتمال ذكره بعض المجازفين فتبعه الشارح من غير تحقيق و اعتبار و كان النسىء متداولا بين الناس قبل الاسلام و لم يرتفع الا بعد حجة الوداع و كان حج الناس و مناسكهم و تشريقهم مطابقا للنسيء قال المسعودى فى مروج الذهب: و قد كانت العرب فى الجاهلية تكبس فى كل ثلاث سنين شهرا و تسميه النسىء و قد ذم اللّه تبارك و تعالى فعلهم بقوله «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيٰادَةٌ فِي الْكُفْرِ» فان أراد القائل المجازف أن أيام التشريق التى حملت فيها أمه (ص) كان فى ذى الحجة لكن لو فرضنا عدم النسىء قبل حجة الوداع و حاسبنا الشهور من غير ملاحظة النسىء كان الشهر الّذي سموه ذا الحجة و حجوا فيه مطابقا لجميدى الاولى الواقعى فى سنة ولادة خاتم الأنبياء (ص) و حمله فهذا خطاء لانا أن استقطنا اعتبار النسىء و حاسبنا السنين و الشهور كما نحاسب بعد حجة الوداع على ما نحن عليه الآن انطبق ذو الحجة فى سنة حمل خاتم الأنبياء (ص) على المحرم لا على جمادى على ما سنبين ان شاء اللّه تعالى.
و كان بناء الناسئين على أن يزيدوا شهرا فى كل ثلاث سنين أو سنتين لئلا يتزايل الشهور القمرية عن الفصول الشمسية فكانت سنتان عندهم اثنى عشر شهرا و السنة الثالثة ثلاثة عشر بزيادة شهر بعد ذى الحجة كما يفعله اليهود حتى الآن و كان نتيجة هذا العمل ان يصير المحرم حلالا بعد ذى الحجة و هو الشهر الثالث عشر و يصير شهر صفر مكان المحرم من الاشهر الحرم و قال مجاهد على ما نقله الطبرى ثم يسمون رجب جمادى الآخرة ثم يسمون رمضان شعبان ثم يسمون شوال رمضان ثم يسمون ذا القعدة شوال ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة ثم يسمون المحرم ذا الحجة و يحجون فيه و اسمه عندهم ذو الحجة ثم عادوا مثل هذه القصة انتهى.
لكن اللّه تعالى أبطل ذلك بقوله «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّٰهِ اثْنٰا عَشَرَ شَهْراً» أى ليس أزيد من ذلك و لا تصير أبدا ثلاثة عشر بزيادة النسىء اى الشهر الزائد. و زيادة الشهور فى مدة ثلاث و ستين سنة ثلاثة و عشرون شهرا على ما يأتى ان شاء اللّه تعالى.
ثم ان المعتاد و المتعارف بين الناس أنهم اذا اطلقوا اسامى الشهور لم يريد و الا المتداول لا المفروض المتوهم ألا ترى أن العجم بعد التاريخ الجلالى المتداول اذا اطلقوا فروردين و اردى بهشت و غيرهما لم يريدوا الا ما تداول بينهم لا ما لو فرض عدم جعل التاريخ الجلالى و بنى على التاريخ القديم بحذف ايام الكبيسة كان يسمى فروردين و ينطبق على ابان مثلا و كذلك المورخ الّذي ذكر تاريخ الحمل و الولادة فى أيام التشريق أو الربيع الاول لم يرد الا المتداول بينهم و هو مع ملاحظة النسىء فالصحيح ما ذكره السهيلى فى شرح السيرة و غيره من العارفين غير المجازفين أن قضية الحمل فى أيام التشريق لا ينطبق إلا مع قول زبير بن بكار أن مولده (ص) كان فى شهر رمضان و الجمع بين الحمل ايام التشريق و الولادة فى ربيع الاول غير ممكن، و الاصح انكار تاريخ الحمل. (ش)