شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٨ - الحديث الرابع
[الحديث الرابع]
٤- محمّد بن يحيى و غيره، عن محمّد بن أحمد، عن بعض أصحابنا قال: كتبت إلى ابي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام): جعلت فداك ما معنى قول الصادق (عليه السلام): «حديثنا لا يحتمله ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان» فجاء الجواب
لم يرد إلينا حقنا الّذي هو الولاية و لم يسلم لنا فهو فى النار خالدا مخلدا و لم ينفعه الاقرار بالربوبية كما لا ينفعه مع انكار النبوة لان النافع انما هو الايمان و الايمان انما هو الاقرار بالجميع.
قوله (ما معنى قول الصادق (ع) حديثنا لا يحتمله ملك مقرب)
(١) لما كان ظاهر هذا الحديث أن حديث فضائلهم (عليهم السلام) لا يحتمله هؤلاء المقربون و لا يؤمنون به و هو باطل سأله سائر عن محمل صحيح [١] له فأجاب (ع) بأن الغاية محذوفة و معناه أنهم لا يحتملونه حتى يؤدونه و يخرجونه الى غيرهم ممن هو أهل له. أقول و له محمل آخر و هو أن لهم (عليهم السلام) علوما و أسرارا مخصوصة بهم لا يحتملها و لا يعلمها هؤلاء المقربون كما يأتى فى رواية أبى بصير عن أبى عبد اللّه (ع) و لكن ما أجاب به (ع) وجب التسليم به.
[١] قوله «و هو باطل سأله سائل عن محمل صحيح» الكلام ليس خاصا بفضائلهم (عليهم السلام) و ليس عاما أيضا لجميع فضائلهم بل فى كل باب من أبواب الاصول أسرار لا يحتملها الا ملك مقرب الخ اما مع كلمة الا الاستثنائية بمعنى ان الملك المقرب و النبي المرسل و المؤمن الممتحن يحتملونه. و اما بحذف كلمة الا بمعنى أن الملك المقرب أيضا لا يحتمله و الاشكال فيه على الحذف انه اذا لم يحتمله هؤلاء فلا يحتمله غيره بالطريق الاولى فما فائدة ذكر هذا الحديث و نقله و روايته اذا لم يحتمله أحد، الجواب عن الاشكال على ما نسب فى هذه الرواية الى الامام (ع) أن المقصود ليس عدم احتمال الملك المقرب و غيره لهذا الحديث مطلقا بل يحتمله ليوصل الحديث الصعب الى غيره و كان الشارح لم يرض بهذا الجواب و تمسك بالتسليم ورد علمه إليهم و الحق أن الرواية ضعيفة و الراوى مجهول و لازم هذا الجواب أن الاحتمال بمعنى النقل و الرواية مع أن الظاهر بل صريح ما يأتى فى الحديث الخامس أنه بمعنى القبول و الادراك فان صح حديث الحذف كان المفاد أن الملك المقرب أيضا لا يدرك و لا يفهم حديثهم فالوجه أن يحمل على ما لم يظهر منهم (عليهم السلام) أصلا لا ما نقل و اشتهر و تداول من حديثهم و وجد بايدى الناس اذ يخلو حينئذ نقله عن الفائدة.
و ربما ينصرف ذهن الماديين و الملاحدة من هذا الحديث الى أن مسائل الامامة و أمثالها من مسائل ما وراء الطبيعة التى ليس للانسان قوة على دركها و لذلك هى صعب مستصعب و انما الانسان له قوة الحس فقط و الحس لا يجاوز أجسام هذا العالم المادى. و فيه أن هذا غير مفهوم من هذا الحديث بل المستفاد منه أن بعض المسائل لغموضه مما لا يصل إليه ذهن أكثر أفراد الانسان و لا ينافى ذلك وجود قوة على ادراك ما وراء الطبيعة بل تلك القوة هى الامانة التى عرضها اللّه على السموات و الارض و الجبال فابين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الانسان ثم ان هذا المعنى الخبيث الباطل لا يصح نسبته الى الأنبياء و الائمة (عليهم السلام) مع أن شأنهم صرف الاذهان الى ادراك ما وراء الطبيعة و التفكر فيه و ذم الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون، و منع الناس عن القول بالتقليد و متابعة الكبراء و امرهم بالتدبر و التعقل فى ادلة التوحيد و النبوة و المعاد فلو كان مسائل ما بعد الطبيعة مما لا يصل إليه ذهن الانسان بطل هذه كلها و العجز عن البعض لا يوجب العجز عن الكل كما ان عجز البصر عن رؤية بعض الاشياء لا يوجب عجزه عن رؤية كلها و لو كان عجز العقل عن ادراك بعض المسائل العويصة الالهية موجبا لانكار قوة للانسان يدرك بها الكليات المعقولة كان عجزه عن ادراك بعض المبصرات موجبا لانكار القوة الباصرة التى يدرك بها الجزئيات المبصرة و الحق انه ليس بين مسائل ما وراء المادة و المسائل الطبيعة فرق أصلا و المادى يدق فطنته عن ادراك المسائل المادية العويصة كما يدق عن مسائل ما بعد الطبيعية و لذلك لا يعترفون بتناهى الابعاد لضعف عقلهم عن ادراكه و لا بوجود الصورة النوعية النباتية و الحيوانية و يتحيرون فى سر الحياة و لا يعلمون أن المادة أصل للقوى أو القوى أصل للمادة و لا يتعقلون أن المادة استعداد محض و أن القوة أعنى مبدأ التأثير من جانب الصورة الى غير ذلك. (ش)