أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٢٦٣ - سكينة الأديبة
و قد كانت سكينة عاقلة لبيبة، تعرف مواقع الكلام و الردود عليها.
يروي أبو الفرج في أغانيه: أنّ عائشة بنت طلحة حجّت و معها ستون بغلا عليها الهوادج و الرحائل، و حجّت في ذلك العام أيضا سكينة بنت الحسين- و كانت ضرّة عائشة- و لم يكن معها ذلك القدر من البغال و الرحال. و أخذ حادي عائشة يحدو و يقول:
عائش يا ذات البغال الستين* * * لا زلت ما عشت كذا تحجّين
كما و يذكر في موضع (١٦: ١٢) بسنده: أنّ إسحاق الموصلي غنى الرشيد بقوله:
قالت سكينة و الدموع ذوارف* * * منها على الخدّين و الجلباب
فغضب الرشيد حتّى سقط القدح من يده و نهره و لعنه!! و الحال أنّ هذا البيت مع أبيات رواها الزجّاج في أماليه:
قالت سعيدة و الدموع ذوارف* * * منها على الخدّين و الجلباب
ليت المغيري الذي لم أجزه* * * فيما أطال تصعّدي و طلابي
إلى آخر الأبيات في سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف و قال: كانت سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف جالسة في البيت الحرام، فرأت عمر بن أبي ربيعة يطوف البيت، فأرسلت إليه: إذا فرغت من طوافك فاتنا، فأتاها فقالت: لا أراك يا ابن أبي ربيعة صادرا عن حرم اللّه، أ ما تخاف اللّه؟ ويحك إلى متى هذا السفه؟! فقال لها: دعي هذا عنك، أ ما سمعت ما قلت فيك؟ قال: لا، فأنشدها الأبيات.
و هذه الأبيات رواها الجاحظ أيضا في كتابه (المحاسن و الأضداد: ٢١٢) في ابنة عبد الملك بن مروان حين حجّت البيت لكن بزيادة.
هذا و رجّح العلّامة الشنقيطي في شرح أمالي الزجاج: (١٠٤ ط ٢ مصر) رواية الأغاني في سعدى بنت عبد الرحمن على الرواية في سكينة بنت الحسين، و قال: «هذا هو الصحيح، و إنّما غيّره المغنّون، فجعلوا سكينة مكان سعيدة».
كما أنّ الحصري في زهر الآداب (١: ١٠١) أنكر الرواية- رواية الشعر- في سكينة بنت الحسين و قال: «كذب من روى هذا الشعر في سكينة». فهذا حال ضبط أبي الفرج و هذا نقله!!
على أنّا لا نعرف هذا البيت الذي فتحته للضيافة و مفاضلة الشعر متى كان؟ أ في العهد الذي كانت فيه ذات بعل فتنفق من مال أزواجها كما يزعمون، أم أنّها كانت تنفق على الأضياف و تجيز للشعراء من مالها الخاصّ الذي لم يرد به تاريخ أصلا أو أنّ الإمام السجّاد- بعنوان وليّها و القائم بأمرها بعد شهادة أبيه الحسين (عليه السّلام)- كان يفيض عليها المال لتنفقه على الأجانب؟!!
ثم إنّ هذه الأخلاق تتنافى و ربيبة أهل بيت النبوّة و العفّة الذي طهّرهم اللّه تطهيرا بنصّ القرآن، البيت الأجدر باتّباع تعاليم جدّهم المقدّسة؛ فكيف تتنكّر سكينة سنن جدّها الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و تعاليمه التي تدعو إلى الحشمة و العفّة و التأدّب بالآداب الربانية التي علّمها اياها أبوها سيد الشهداء (عليه السّلام)؟!