أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٧١ - (١) دوحة النبي
أرض اللّه الواسعة- غير مكّة بالطبع- حتّى لا تؤلّب المسلمين عليهم، اختارت مصر دارا لإقامتها و مقامها، لما ذا؟
تجمع كتب التاريخ أنّها اختارت مصر أرض الكنانة، لما سمعته عن أهلها من محبّتهم لآل البيت، و مودّتهم لذوي القربى من آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله).
و كذلك لما وعته عمّا حدّثت به أم سلمة من أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أوصى بأهل مصر، حين بدأ التفكير في فتحها، و روي عنه قوله (صلّى اللّه عليه و آله):
«إنّكم ستفتحون مصر، و هي أرض يسمّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإنّ لهم ذمّة و رحما» [١]. و في رواية أخرى: «ذمّة و طهرا» [٢].
و قد فسّر البعض «رحما و طهرا»: مارية القبطية التي يقال: إنّها كانت ابنة المقوقس عظيم القبط في مصر، التي أرسلها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فتزوّجها، و أنجب منها ابنه إبراهيم [٣].
و يعجز القلم عن أن يصف موكب السيدة زينب حين بدأت تشارف أرض مصر، من الذين ذهبوا على اختلاف طبقاتهم لاستقبالها عند «بلبيس» عام ٦١ هجرية، حتّى أنّها رضي اللّه عنها حين شاهدت احتفاء أهل مصر بها، ظلّت تردّد و تقول:
هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢].
و منذ ذلك التاريخ كانت السيدة زينب أول جوهرة من دوحة النبوة المباركة ترصع أرض مصر، بل هي رضي اللّه عنها ظلّت منذ هذا التاريخ قبسا من أقباس النبوة في مصر.
و ما فعله أهل مصر مع السيدة زينب فعلوه مع تلك الأغصان من الدوحة النبوية المباركة التي جاءت إلى مصر بعدها.
[١]. أخرجه مسلم في صحيحه ٤: ١٩٧٠ كتاب فضائل الصحابة، باب وصية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بأهل مصر ح ٢٢٦/ ٢٥٤٣ عن أبي ذرّ.
[٢]. المصدر السابق: ح ٢٢٧/ ٢٥٤٣. و رحما لكون هاجر أم اسماعيل منهم، و صهرا لكون مارية أم إبراهيم منهم.
[٣]. راجع خطط المقريزي ١: ٤٧.