أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٣٨٣ - صفاته و بلاغته
بن عبد الملك و بين الإمام زيد. فقد حدث أن اجتمع الخليفة بالإمام زيد، فقال له هشام: بلغني أنّك تريد الخلافة، و أنت لا تصلح لها؛ لأنّ أمك أم ولد!
فردّ عليه زيد قائلا: كان لنبي اللّه إبراهيم ولدان، أحدهما: إسماعيل من هاجر، و هي أمة، أي: مملوكة، و إسحاق من حرّة، و هي سارة، فأخرج اللّه من صلب إسماعيل خير ولد آدم، و هو جدّنا محمد (صلّى اللّه عليه و آله).
فقال له هشام: قم.
فقال زيد بن علي زين العابدين: إذن لا تراني إلّا حيث تكره! [١].
رحم اللّه الإمام زيد بن علي زين العابدين، فقد لاقى مثل ما لاقاه جدّه الإمام الحسين، و جدّه الأعلى الإمام علي بن أبي طالب (عليهم السّلام).
و كان هذا الإمام العابد- و منه ما أكّده عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه عن الأئمة- يدعو دائما إلى إعمال العقل، فالعقل وحده هو الذي يحكم على الأفعال بالحسن أو بالقبح، و كان الحكّام آنذاك يحاولون أن يخنقوا الفكر و الرأي، و أن يعطّلوا العلم و العقل؛ ليفرضوا على الأمة قبول ما يفعلون.
و بقدر ما كانت الأمة تحتقر صنّاع الزيف من أشباه الفقهاء، كانت تكبّر كبار الفقهاء و العلماء الشرفاء، و المفكّرين الأحرار؛ لذلك كان الخليفة هشام بن عبد الملك بن مروان و عمّاله على الأمصار يتربّصون بهؤلاء الشرفاء ... و قد خافوا ذلك و ابتعدوا عن السياسة .. و لكن الإمام زيد بن علي زين العابدين، قد سلك طريقا آخر .. طريق البحث عن الحقيقة .. و أعلن أنّه لا يحقّ لمسلم أن يقبل هدية أو عطاء من حاكم ما لم يكن عادلا يحقّق مصالح الأمة ... ثم أذن في الناس بأنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجب شرعي، و أصل من أصول الدين ... كما كان يصرّح في مجالسه
[١]. روى تفصيل القصة ابن عساكر في تاريخه ٢١: ٣٣٣- ٣٣٤، و المسعودي في مروج الذهب ٣: ٢٠٦، و ابن حجر في الصواعق: ٢٤٦- ٢٤٧.