أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٥٨ - أهل البيت في مصر
و لكن على الرغم من هذه الخطّة التي من شأنها أن تقوّم الأمور، إلّا أنّ التبييت كان أقوى من خطّته، و المكيدة أشدّ من أن تقف في طريقها المبادئ و المثل، فظهرت فكرة الأخذ بثأر عثمان، و أحسن استغلالها استغلالا يرجّح كفّة الباطل على الحقّ ...
و اشتدّ الخلاف، و أريقت دماء، و انتهى الأمر بقتل الإمام علي (كرّم اللّه وجهه)، بيد مارق من الخوارج هو عبد الرحمن بن ملجم.
و هال مقتل «عليّ» الناس فالتفّوا حول ابنه «الحسن» رضي اللّه عنه ... و لكنّه لقي حتفه بعد قليل مسموما، و بعد أن كان سببا في حقن دماء المسلمين، فقد آثر صلح معاوية- على ما فيه من غمط لحقّه- على الاستمرار في القتال و إراقة الدماء، و صدق قول جدّه العظيم عنه: «إنّ بنيّ هذا سيد، و سيصلح اللّه به بين طائفتين من المسلمين» [١].
و بوفاة الحسن استتبّ الأمر لمعاوية قليلا، فأراد أن يمهّد لولاية ابنه يزيد، فقد سنحت أمامه الفرصة، و تمكّن معاوية من أن يأخذ العهد لابنه قبل وفاته، و بايعه الناس على ذلك ما عدا بضعة نفر، منهم: الحسين و عبد اللّه بن عمر و عبد الرحمن بن أبي بكر و عبد اللّه بن الزبير، لذلك كان شغل يزيد الشاغل، حين تولّى الخلافة بعد موت أبيه أن يأخذ هؤلاء بالبيعة.
و لجأ الحسين رضي اللّه عنه إلى مكّة معتصما بها، و لاجئا إليها من عنت هؤلاء الذين اغتصبوا الحقّ من أهله، و قتلوا أباه، و سمّوا أخاه ...
و بقي الحسين بمكّة وقتا جاءته فيه الرسل و الوفود من الكوفة طالبين منه الخروج إليهم، فعزم على ذلك، و لكن عزمه هذا أقلق عليه قلوبا تحبّه، و خشيت أن يصيبه ما أصاب أباه و أخاه من الخذلان ...
و لكن الحسين كان يرى بعين لا يرى بها غيره، إنّه ما زال يحفظ لمكّة قداستها،
[١]. أخرجه البخاري في صحيحه ٢: ٩٦٢ كتاب الصلح ب ٩ قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) للحسن بن علي: ابني هذا سيد ... ح ٢٥٥٧ و ٣: ١٣٢٨ كتاب المناقب ب ٢٢ علامات النبوة في الإسلام ح ٣٤٣٠، و ص ١٣٦٩ كتاب فضائل الصحابة ب ٢٢ مناقب الحسن و الحسين ح ٣٥٣٦.