أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٢٢٩ - نفيسة العلم
رأيتها نامت بليل و لا أفطرت بنهار، إلّا العيدين و أيام التشريق. فقلت لها: أ ما ترفقين بنفسك؟ فقالت: كيف أرفق بنفسي و أمامي عقبات لا يقطعهنّ إلّا الفائزون؟ [١]
و كانت تقول: كانت عمتي تحفظ القرآن و تفسيره، و كانت تقرأ القرآن و تبكي [٢].
و قد سمع منها الحديث و تفسيره و الفقه كثير ممّن قابلوها، فقد سمع منها بمصر غير الإمام الشافعي جمهور كبير من العلماء؛ كذي النون المصري، و عبد اللّه بن الحكم، و ولديه محمد و عبد الرحمن، و عبد الرحمن البويطي، و الربيعين المرادي و الجيزي، و حرملة من أصحاب الإمام الشافعي رضي اللّه عنهم، و كثيرين غيرهم [٣] استفادوا ممّا أفاضه اللّه عليها من فيوضات ممّا سيأتي بيانه بعد قليل، و ما روته من أحاديث و آثار، و فقه و علم و معارف نبوية، فإنّها رضي اللّه عنها من أهل بيت اتّقوا اللّه فعلّمهم اللّه، و أنار قلوبهم بنور عرفانه، فكانوا من حلمة العلم و حضنته، و من ذوي الفقه و الدين، و المعرفة و اليقين.
و كانت السيدة الورعة زاهدة في دنياها، تؤمن بمنهج الزهد و تمارسه، و كان رائدها في طريق الزهد جدّها الأعظم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي أحاطت بسيرته، و كان مرشدها هو ما قال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و ما فعل، و قد مالت بطبعها من صغرها إلى حياة بعيدة عن زخرف الحياة و زينتها بالرغم من أنّ أباها كان أميرا للمدينة، و كان بلا شكّ يعيش عيشة رغدة، و لكنّها ما كانت تستشرف إلى لذائذ الدنيا و شهواتها.
و في بيت أبيها نشأت- برغم ما يحيط بها من مظاهر الترف- نشأة الزهادة و التقشّف، فمثلا كنت قليلة الأكل، و يروى: أنّها كانت تأكل كلّ ثلاثة أيام مرّة [٤].
و تقول زينب بنت يحيى: «كنت أجد عندها ما لا يخطر بخاطري، و لا أعلم من
[١]. خطط المقريزي ٤: ٣٢٥.
[٢]. المصدر السابق.
[٣]. كالإمام أحمد و سفيان الثوري و رابعة العدوية. انظر تحفة الأحباب للسخاوي: ١٠٧.
[٤]. راجع خطط المقريزي ٤: ٣٢٥.