أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٢٣٧ - من بلد الرسول محمد
و قد تعافت، فصح جسمها، و استقام عودها، و ذهبت شكاتها، فأخذته الأريحية و استطاره الفرح، فأخذ يصفّق و يرقص، و لم يلبث أن نبّأته أمها بخبرها، و ما حاطها من بركة السيدة الشريفة جارتهم، فما أن أنهت زوجته من إخباره حتى رفع بصره و مدّ يديه إلى السماء، و قال: سبحانك ربّنا تهدي من تشاء و تضلّ من تشاء، اللّهم إنّي أشهدك أنّ هذا الدين هو الدين الحقّ، و أنّ الدين عند اللّه الإسلام، و أنّه لا دين غير الإسلام. ثم توجّه من فوره إلى دار السيدة نفيسة، و استأذنها في الدخول، فأذنت له، فكلّمها و هي من وراء حجاب، و بعد أن حيّاها و شكر لها صنيعها، قال: سيدتي ارحميني و تشفّعي لي، و اشفعي في من هو في ضلال الكفر قد تاه، و من الدين أبعده الكفر و أقصاه. فرفعت السيدة نفيسة بطرفها إلى السماء، ودعت اللّه عزّ و جلّ له بالهداية، فما أن انتهت من دعائها حتى نطق أبو السرايا بالشهادتين، و سرى الخبر في تلك الجهة فأسلم أهلها، و كانوا أكثر من سبعين بيتا من اليهود [١].
ثم استأذن أبو السرايا من السيدة نفيسة أن تنتقل إلى دار له بدرب الكرويين المعروف الآن بالحسينية، و هذه الدار باقية للآن، و كذلك الحجرة التي كانت تتعبّد فيها باقية، و هي محلّ إجلال و إكبار، و لا يدخلها إلّا من عهد إليه بنظافتها.
على أنّه ما كاد تذاع تلك الكرامة حتى هرع إليها القوم من جميع الجهات، يلتمسون بركاتها و دعواتها، فتكاثرت الجموع على بابها، و ضاقت بهم الدار بما رحبت، ففكّرت مليا في مغادرة مصر حيث تعود ثانيا إلى مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، لتقضي بقية عمرها في هدوئها و عبادتها و مناجاة بارئها، و تلتزم حرم جدّها المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله)، فاشتدّ ذلك على أهل مصر، و شقّ عليهم أن تفارقهم، و قد لمسوا نفحاتها، و عرفوا هداها و تقواها، و ما أفاضه اللّه تعالى عليها من فيوضات، و ما يحيطه بها من تجلّيات و مشاهدات، فالتمسوا منها العدول عن عزمها، و رجوها
[١]. خطط المقريزي ٤: ٣٢٦، تحفة الأحباب: ١٠٥- ١٠٦.