أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٤٢٠ - زيارة قبور أهل البيت
و قد سنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لنا ذلك، و أمرنا القرآن بذلك وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [الإسراء: ٢٤].
و لقد جاء في كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» بضرورة الحرص على زيارة الأضرحة و تذكّر يوم الحساب، و هي عامة في كلّ الأيام عند الحنابلة، و عند الشافعية من عصر يوم الخميس إلى طلوع يوم السبت، و عند المالكية و الحنفية تكون الزيارة أيام الخميس و الجمعة و السبت، كما اهتمّ أئمة المذاهب بزيارة قبور الصالحين؛ لأنّ هذه الأماكن تأنس لها الملائكة، و يستجيب اللّه فيها الدعاء، فإنّ الصالحين كانت لهم أعمال و أنوار من اللّه، و نور اللّه لا يحجب عنهم: أحياء و ميّتين [١].
و إذا كان هناك من ينهى عن زيارة الأضرحة من باب سدّ الذرائع، فهذا قياس مع الفارق؛ لأنّ الذين كانوا يتّجهون إلى الأصنام، كانوا كفّارا مشركين يعبدونها، بينما هؤلاء مسلمون موحّدون يحبّون أصحاب القبور، و فرق بين المحبّة و العبادة، بدليل أنّ الزائر المسلم يصلّي للّه و يعبده في نفس المكان، و لا يصلّي إلّا للّه قبل الزيارة.
و لقد كان الأئمة و الصالحون حريصين على زيارة أضرحة أهل البيت، و منهم الإمام الشعراني رضي اللّه عنه- و كان شيخا للأزهر- يقول في كتابه «المنن»: و ممّا منّ اللّه تعالى به عليّ: زيارتي بين فترة و أخرى لآل البيت الذين دفنوا في مصر، كلّهم أو
[١]. فالقبور تضمّ أجساد الأنبياء و المرسلين الذين حملوا على عاتقهم رسالات السماء و بلّغوها الناس، و تضمّ أيضا أبناءهم و أحفادهم الذين عرفوا بالتقوى و الإيمان و الورع و الصلاح، فكانوا محطّ أنظار الناس و احترامهم، ثم على الامتداد من العلماء و الفقهاء الورعين الذين عاشوا حياة الزهد و الحرمان و طلب العلم و نشر الدين و الأخلاق الكريمة بصورة كتابات جليلة و آثار رائعة جذبت قلوب و عقول الناس، و الناس يزورون هؤلاء باستمرار، و يذرفون الدمع الغزير، و يستذكرون تضحياتهم، و يستمدّون منهم روح الصبر و التقرّب إلى اللّه تعالى، و امتثال أوامره.
إنّ زيارة قبور الأولياء و الصالحين و الشخصيات العظيمة هي- بالحقيقة- نوع من الوسائل التي تدفع الإنسان إلى الميل باتجاه الدين و الخلق الكريم من جهة، و من جهة أخرى إعلام للأجيال المتلاحقة بأنّ هذا جزاء الذين يسلكون دين الحق و طريق الهدى و الفضيلة، و كلاهما يصبّ في خدمة دين اللّه، و ليس فيهما محذور.