أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ١٥٥ - السيدة زينب
أ تبكون و تنتحبون؟ إي و اللّه فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا، فقد ذهبتم بعارها و شنارها، و لن ترحضوها بغسل أبدا، و أنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، و معدن الرسالة، مدرة [١] حجّتكم و منار محجّتكم، و ملاذ خيرتكم، و مفزع نازلتكم، و سيد شباب أهل الجنة، ألا ساء ما تزرون.
فتعسا و نكسا، و بعدا لكم و سحقا، فلقد خاب السعي، و تبّت الأيدي، و خسرت الصفقة، و ضربت عليكم الذلّة و المسكنة.
ويلكم يا أهل الكوفة! أ تدرون أيّ كبد لرسول اللّه فريتم، و أيّ كريمة له أبرزتم، و أيّ دم له سفكتم، و أيّ حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئا إدّا، تكاد السماوات يتفطّرن منه، و تنشقّ الأرض، و تخرّ الجبال هدّا. و لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء كطلاع [٢] الأرض و ملء السماء، أ فعجبتم أن مطرت السماء دماء، و لعذاب لا يحفزه [٣] البدار، و لا يخاف فوت الثأر، و إنّ ربّك لبالمرصاد.
أدهش خطابها البليغ الذي تدفّق من لسانها كجلمود صخر حطّه السيل من عل، هؤلاء القوم و أثّر فيهم، و أيقظ أفئدتهم، و أظهر لهم شنيع جرمهم، فأخذوا و قد أدركوا فجيعة فاجعتهم و عظيم جنايتهم في حقّ الإسلام و المسلمين، فلا يدرون ما يصنعون، حتّى أنّ شيخا كبيرا كان يستمع، فأبكاه كلامها حتّى اخضلّت لحيته بالدموع، و أخذ يقول:
- بأبي أنتم و أمي، كهولكم خير الكهول، و شبابكم خير الشباب، و نساؤكم خير النساء، و نسلكم خير النسل، لا يخزى و لا يبزو [٤].
ثم تكلّمت فاطمة الصغرى فقالت:
[١]. المدرة: الناطق عن القوم و المدافع عنهم و حاميهم.
[٢]. طلاع الأرض و الشيء: ملؤه.
[٣]. يحفزه: يحثّه و يعجّل به.
[٤]. أي لا يغلب و لا يقهر.