أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ١٥٩ - السيدة زينب
ما مرّ بها من أحداث جسام شهدتها بعيني رأسها، و لمستها بيديها عن كثب، و لكنّها لاذت بكلّ كبريائها و عزّة نفسها و كرامة محتدها، و اعتزّت بعلوّ حسبها و نسبها الشريفين، و التفّت بجلال البنوّة، و جلست بعد أن كانت قد لبست أبلى ثيابها و أرذلها متنكّرة فيها، منتحية ناحية من القاعة، تحفّ بها إماؤها.
ثم أمر اللعين ابن زياد، فجيء له برءوس الضحايا و الشهداء، و من بينها الرأس الشريف لمولانا أبي عبد اللّه الحسين رضي اللّه تعالى عنه، فجعل اللعين ابن زياد ينكت بقضيب كان في يده بين ثنيتي الرأس الشريف، غير عابئ بشعور الحاضرين، و لا مراع لإحساس أهل البيت النبوي، و هم يرون ما يصنع هذا المجرم الآثم.
و لذلك انبرى له زيد بن الأرقم [١] و صاح فيه قائلا: أعل هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فو الذي لا إله غيره، لقد رأيت شفتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على هاتين الثنيتين يقبّلهما، ثم بكى.
فقال له اللعين ابن زياد: أبكى اللّه عينيك، فو اللّه لو لا أنّك شيخ قد خرفت و ذهب عقلك، لضربت عنقك.
فخرج ابن الأرقم و هو يقول:
أنتم يا معشر العرب! العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، و أمّرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم و يستعبد شراركم، فرضيتم بالذلّ [٢].
نظر اللعين ابن زياد إلى الحاضرين أمامه، و تفحّص كلّا منهم بنظرة، ثم تساءل عن هذه المنحازة وحدها و معها نساؤها و هي شامخة الرأس عالية، فلم تجبه
[١]. أبو عمرو زيد بن ارقم بن زيد بن قيس الخزرجي الأنصاري، من مشاهير الصحابة. كان نزيلا في الكوفة فشهد هذه الواقعة المؤلمة. و كان زيد ممّن شهدوا غزوة مؤتة و غيرها، و صفين إلى جانب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام). توفي بالكوفة عام ٦٦ ه و قيل: ٦٨ ه. (طبقات ابن سعد ٦: ١٨، تهذيب الكمال ١٠: ٩- ١٢).
[٢]. الأخبار الطوال: ٢٥٩- ٢٦٠، الإرشاد للمفيد ٢: ١١٤- ١١٥، تاريخ أبي الفداء ١: ٢٦٦. و في البداية و النهاية ٨: ١٩٧ أنّ الذي أجاب ابن زياد انّما هو أبو برزة الأسلمي.