أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ١٧٢ - خطبة علوية زينبية
تنتابها العواسل [١] و تعفرها أمّهات الفراعل [٢].
و لئن اتّخذتنا مغنما، لتجدنّ وشيكا مغرما، حين لا تجد إلّا ما قدّمت يداك، و ما ربّك بظلّام للعبيد، و إلى اللّه المشتكى و عليه المعوّل.
فكد كيدك، و اسع سعيك، و ناصب جهدك، فو اللّه لا تمحو ذكرنا، و لا تميت و حينا، و لا تدرك أمدنا، و لا ترحض عنك عارها، و هل رأيت إلّا فندا [٣]، و أيامك إلّا عددا، و جمعك إلّا بددا، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة اللّه على الظالمين.
فالحمد للّه ربّ العالمين الذي ختم لأوّلنا بالسعادة و المغفرة، و لآخرنا بالشهادة و الرحمة، نسأل اللّه أن يكمل لهم الثواب، و يوجب لهم المزيد، و يحسن علينا الخلافة، إنّه رحيم ودود، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل».
لم يستطع يزيد بن معاوية، مع ما هو عليه من سلطان و ملك و هيبة يخشاها أكثر الناس أن يقاطع العقيلة السيدة زينب رضي اللّه تعالى عنها، أو أن يمنعها من الاستمرار في الكلام- رغم أنّه من لاذع القول و شديد التقريع- مع علم السيدة زينب أنّها في ذلّة الأسر، و أنّها كانت دامية القلب، باكية الطرف، ممّا مرّ بها من أحداث جسام.
إنّه لموقف عظيم لا يحتاج إلى برهان للتدليل على شجاعتها رضي اللّه تعالى عنها، و على قوّة حجّتها، إذ مثّلت في موقفها هذا الحقّ تمثيلا صحيحا، و أضاءت إلى طلّاب المعرفة و الحقيقة سبيلا واضحا.
إلّا أنّ يزيد بن معاوية أراد أن يخرج من هذا المأزق الذي وقع فيه، و الحرج الشديد الذي أصابه من افتضاح حقيقة أمره، فلم يستطع أن ينطق بغير هذه الكلمة:
يا صيحة تحمد من صوائح* * * ما أهون النوح على النواح
ثم أمر، فأخرج النساء و أدخلن دور يزيد، فلم تبق امرأة من آل يزيد إلّا أتتهنّ،
[١]. العواسل: الذئاب.
[٢]. الفراعل: الضباع.
[٣]. أي: كذبا.