أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٥٩ - أهل البيت في مصر
و خشي أن يكون سببا في انتهاك حرمتها، فقال: «لأن أقتل خارجا منها بشبرين أحبّ إليّ من أن أقتل خارجا منها بشبر، و أيم اللّه لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا بي حاجتهم، و اللّه ليعتدى عليّ كما اعتدى اليهود في السبت».
و يمضي الحسين إلى الكوفة، و لكنّه يضيق عليه الخناق في الطريق، و يحاصر في كربلاء بجيش كثيف ينتهي باستشهاده رضي اللّه عنه بعد أن أبلى بلاء حسنا، و بعد أن حيل بينه و بين الماء، و بعد أن ناشد المحيطين به من أهله و ذوي قرابته و المناصرين له أن يتفرّقوا عنه في سواد الليل؛ لأنّ القوم ليس لهم مطمع سواه، و لكنّ هؤلاء أبوا مفارقته، و استشهدوا دونه، و استشهد معهم.
و أثارت هذه الحادثة ثائرة الناس، و كان من نتائجها ثورة المدينة بعد ذلك التي قمعت بكلّ عنف [١]، و تبعها حصار مكة و ضربها بالمنجنيق.
و كان الوالي في المدينة قبل نشوب الثورة يخشى وجود السيدة زينب بها، فطلب منها بأمر يزيد أن تخرج من المدينة و تختار أيّ بلد تريد، و لكنّها رفضت في أول الأمر قائلة: «قد علم اللّه ما صار إلينا، قتل خيّرنا، و سيق الباقون كما تساق الأنعام، و حملنا على الأقتاب، فو اللّه، ما خرجنا و إن أريقت دماؤنا».
و أحاط بها نساء بني هاشم مشفقات عليها من مصير آخر مشئوم إن هي استمرّت في مناوأة الوالي.
و قالت لها ابنة عمها زينب بنت عقيل: «يا ابنة عمي، قد صدقنا اللّه وعده، و أورثنا الأرض نتبوّأ منها حيث نشاء، و سيجزي اللّه الشاكرين، ارحلي إلى بلد آمن» فاختارت مصر.
***
[١]. و قد جرت على ألسنة المؤرّخين بوقعة الحرّة سنة ٦٣ ه حينما ثار أهل المدينة على عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامل يزيد و أخرجوه و بني أميّة منها، و لمّا كتبوا إلى يزيد يستغيثون به بعث إليهم مسلم بن عقبة المرّي، و هو الذي سمّي مسرفا؛ لإسرافه في القتل و الجريمة و إراقة الدماء بالجملة، فقمع الثورة و بدّد أهلها، و هتك عرضها، بعد ما أباحها لجنده ثلاثا، يقتلون الناس كيفما شاءوا، و يأخذون المتاع و الأموال بما يحلوا لهم، و فيها الصحابة الكرام و القرّاء و الزهّاد و الحفّاظ، فقتل فيها خلق كثير. انظر تفصيله في الكامل ٤: ١١١- ١٢٢.