بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٤ - ضلالة الاستكبار
وحيث يعمد ابن آدم إلى قياس نفسه بالأشياء والحقائق الموجودة في هذا الكون، فإنه يتواضع وهكذا يتوقّع له حتى يصبح أكثر تعادلًا واتزانًا مع مرور الوقت.
يقول الله تعالى وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا؛ أي تُكشف له الحقائق وتتوارد عليه الموجودات؛ فإنه يتهرّب من هذه الآيات، ويحشر نفسه في فضاء ضيّق، حيث زنزانة ذاته المغلقة، حتى يستكبر وَلَّى مُسْتَكْبِراً.
وهنا إشارة قرآنية لطيفة وردت عبر كلمة وَلَّى؛ أي هرب من الإيمان والمعرفة، وبالتالي من تحمّل المسؤولية، وشرد ذهنه عن الحق. إنه وبكل إرادته وعزمه، وبكل ما أُوتي من قوّة يحاول التهرّب من الحقائق، كمن يغلق على نفسه باب غرفته الضيّقة المظلمة النتنة الرائحة، ثم يسدل عليها الستائر، ويضع على رأسه غشاءً، تهرُّبًا من نور الشمس.
وليس الهدف من التهرّب من الآيات والحقائق إلَّا الاستكبار بداعي الجهل والغفلة وسحق الضمير.
وبعدها؛ يشير القرآن المجيد إلى وقوع الإنسان في فخ الرغبة في الاستكبار على الحقائق .. فيقول كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا. فهذه قد سمعها وسمع بها، ولكن موقفه من الآيات والدلائل والبراهين العقلية والعلمية، كان كأنه لم يسمع بكلّ ذلك.
وبناءً على هذا، نفهم من هذه الآية القرآنية الكريمة أن الحجّة الإلهيّة تُقارب الإنسان حتى تصل إلى أعماقه، شاء أم أبى، لكن يبقى كل فرد بعدئذ في رضا أي اتجاه يعزم عليه. فبينما تجد بعضًا يتهرّب