بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٤ - حديث الكرامة
الكرامة فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ.
ثم إنّ الله سبحانه وتعالى قد أراد لكرامة الإنسان أن تحفظ، وما أروع أن تحفظ هذه الكرامة ويكون للإنسان المؤمن خصوصًا دور فيها. وهكذا نفهم أن الله تعالى ينصر عباده المؤمنين حينما ينصرونه، وأنه لا يغيّر ما بقوم يعيدهم إلى حيث الكرامة حتى يغيّروا ما بأنفسهم.
ونكتة مهمة أخرى بهذا الصدد، تتمثّل في أن الحديث القرآني عادة ما يبدأ بصيغة الغائب، ثم ينتقل إلى الحاضر.
فمثلًا، يقول القرآن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [١]. فهو كلام عن غائب وهو حاضر. ولكن حينما نتحدّث عنه سبحانه فنتذكره، فكأنا حضرنا عنده في الواقع، فنقول إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [٢].
وفي هذه السورة، كان الحديث بمفردات الغائب وَأَلْقَى، خَلَقَ، بَثَ .. ثم قال كُلْ وهي مفردة تعبّر في الواقع عن الحضور، الحضور معك، والحديث معك. فقد يصادف أن يغفل المؤمن عن ذكر الله في البداية، أو يشوب فكره نوع اهتمام بغيره، ولكنّه حينما يذكر ربّه، فإنه يحضر عنده، ويكون جليسه.
وهذه الحقيقة تذكّرنا بقوله سبحانه وتعالى بخصوص النبيّ موسى عليه السلام وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً [٣].
[١] سورة الفاتحة، آية: ٢- ٤.
[٢] سورة الفاتحة، آية: ٥.
[٣] سورة مريم، آية: ٥٢.