بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٨ - مدارج الرؤية
الجبال منذ أن خلقها كيانًا مستقلًّا؟.
هنا نحتاج إلى تأمّل..
فالجبال وصفها الخالق بأنها راسيات، فمع كونها شامخات، إلَّا أنها راسيات؛ أي أنها كما المرساة التي يستخدمها أصحاب السفن لإيقاف سفنهم في عرض البحر أو عند المرافئ.
وصفة الرسو هنا جاءت، لأن الحديث عن استقرار الأرض، ولا يحصل الاستقرار إلَّا بوجود مشدٍّ ومرساة.
ونحن حين نرى الجبال بما فيها من شموخ وارتفاع، إلَّا أن شموخها هو القسم الظاهر من حقيقتها، لأن هذه الجبال متصلة أساسًا بصخور متشابكة فيما بينها، لتحافظ على تماسك الأرض.
وهذه الأرض يفترض لها أن تكون قويّة الأسس، لأنها خُلقت لنعيش عليها، وهي التربة الممهدة لحياتنا. ولو كانت الأرض راخية مثل الرمال المتحرّكة، لما استقرّ الإنسان عليها. ولو كانت عكس ذلك؛ أي كانت جُرمًا صخريًّا صلدًا، كما الحال في بعض الكرات السماويّة، أو كما الجبال الصم الصياخيد، لاستحالت الحياة عليها أيضًا. وإنما الأرض جمعت كلّ هذه الأحوال؛ فهي تربة في ظاهرها، ومن ثم صخور راسية عليها، وهي قويّة جدًّا في العمق. وهذا خلق الله في كلّ شيء، بما في ذلك جسم الإنسان، حيث العظام القويّة في عمقه، في حين أن البشرة اللينة في سطحه، ثم طبقه اللحم التي توازن بين القوّة والليونة، فيستطيع الإنسان مواصلة العيش.
وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ لماذا؟ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ لكيلا