بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٥ - بصائر وأحكام
أمام اختيار صعب جدًّا، إن ربحنا؛ ربحنا كلّ شيء، وإن خسرناه؛ خسرنا كلّ شيء. إن فهمنا هذا الاختيار الصعب، أصبح كلّ واحد منّا متكامل الشخصيّة، لأنه سيشعر أنه قادر على اتخاذ القرار العظيم ذا النتائج الهائلة. وإذ ذاك سيستطيل على حقائق الكون كلّها، أي أنه لن يأبه بعد ذلك بما قد يخسر من متاع الدنيا، وبما قد يواجه من المواقف الصعبة، لن يأبه بها أبدًا. وهذه الحقيقة العظيمة هي التي نستفيدها من الآية المباركة.
وقوله فَبَشِّرْهُ إشارة إلى ما يطفح على بشرة الوجه من أثر بسبب خبر سار أو سيّئ.
ثم إن هذا الخيار الصعب الذي يواجه الإنسان وذلك التميز العظيم بين الجنّة والنار، حيث ابن آدم قد يكون ضيفًا للرحمن في الجنّة، أو يحشر إلى الجحيم، في سجن قد يكون أبديًّا؛ إنه يجعلنا نتنبّه إلى مدى دور الانتخاب الصعب في مصير البشر الذي تسجل عليه كل أفعاله وحتى نواياه، مهما كان حجمها، مسجّلة عليه، مما يدعوه إلى مزيد من الحذر، و قد صوّر لنا القرآن مشهدًا مختصرًا عن عسر الحساب في يوم الجزاء، حيث قال وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [١].
إذا كان الإنسان في الدنيا من أهل الصلاح والإصلاح، وأهل الخير والإحسان؛ فإن نيته تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى هذا المسار؛ بمعنى أنه لو عاش ألف عام،
[١] سورة الكهف، آية: ٤٩.