بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٧ - عوامل الضلال
بمفرده، وإنما يُحشر مع الإمام الذي ينتمي إليه؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
إنّ تحدّي الإنسان لضغوط مجتمعه، ابتداءً من تحدّيه لضغوط الأسرة، هو السبيل الوحيد لخلاصه من المُضلَّات التي تنساب إليه. ولعلّ باستطاعتنا التأكيد على أن أكثر من نصف انحرافات البشر تعود إلى هذه المشكلة. وهذه الحقيقة دفعت بعضًا من علماء الاجتماع إلى القناعة بأن للمجتمع روحًا وأنظمةً ضاغطةً عليه.
العامل الثاني: يتجسّد في زخارف الدنيا، لأن الإنسان هو بالتالي ابن هذه الأرض وتحيط به شهوات الحياة، وهي ضغوط شديدة عليه، وقد قال تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [١]، وفي هذا التزيين ضغط كبير عليه؛ وشاء الإنسان أم أبى، فإن الشهوات تجذبه والزخارف تستهويه.
ولكن على الإنسان أن يعرف أن ما يضلّه من الدنيا ليس الحاجات الضروريّة الضاغطة بطبعها، وإنما المزيد من الطمع الذي يميّزه عن غيره من
المخلوقات، إذ يتطلع البشر أن يكون هو الأعلى، ويسعى من أجل أن يتميّز عن الآخرين بالمراتب الأكثر علوًّا. وما هذا التكاثر في الأموال والأولاد، إلَّا مصداق من مصاديق هذه الصفة عند ابن آدم. وإن أكثر الناس الذين يتبعون الشيطان ويخوضون الطرق الملتوية، ليس من أجل حاجاتهم الضرورية، وإنما لكي يتفوّقوا على غيرهم ويصبحوا أفضل من غيرهم، بما
[١] سورة آل عمران، آيه: ١٤.