بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٥ - عقبى عبد الطاغوت
بَيْنِي وَبَيْنَ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ الطَّائِيِّ الطُّوسِيِّ مُعَامَلَةٌ، فَرَحَلْتُ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَبَلَغَهُ خَبَرُ قُدُومِي فَاسْتَحْضَرَنِي لِلْوَقْتِ وَعَلَيَّ ثِيَابُ السَّفَرِ لَمْ أُغَيِّرْهَا، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ.
فَلَمَّا دَخَلْتُ إِلَيْهِ، رَأَيْتُهُ فِي بَيْتٍ يَجْرِي فِيهِ المَاءُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَجَلَسْتُ، فَأُتِيَ بِطَسْتٍ وَإِبْرِيقٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ. ثُمَّ أَمَرَنِي فَغَسَلْتُ يَدَيَّ، وَأُحْضِرَتِ المَائِدَةُ، وَذَهَبَ عَنِّي أَنِّي صَائِمٌ وَأَنِّي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. ثُمَّ ذَكَرْتُ فَأَمْسَكْتُ يَدِي.
فَقَالَ لِي حُمَيْدٌ: مَا لَكَ لَا تَأْكُلُ؟.
فَقُلْتُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ؛ هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ، وَلَسْتُ بِمَرِيضٍ وَلَا بِي عِلَّةٌ تُوجِبُ الْإِفْطَارَ، وَلَعَلَّ الْأَمِيرَ لَهُ عُذْرٌ فِي ذَلِكَ أَوْ عِلَّةٌ تُوجِبُ الْإِفْطَارَ؟!.
فَقَالَ: مَا بِي عِلَّةٌ تُوجِبُ الْإِفْطَارَ، وَإِنِّي لَصَحِيحُ الْبَدَنِ. ثُمَّ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَبَكَى.
فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ: مَا يُبْكِيكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ؟.
فَقَالَ: أَنْفَذَ إِلَيَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ وَقْتَ كَوْنِهِ بِطُوسَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ: أَنْ أَجِبْ. فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ، رَأَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَمْعَةً تَتَّقِدُ وَسَيْفاً أُحْضِرَ مَسْلُولًا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ خَادِمٌ وَاقِفٌ. فَلَمَّا قُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ فَقَالَ: كَيْفَ طَاعَتُكَ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ؟.
فَقُلْتُ: بِالنَّفْسِ وَالمَالِ.
فَأَطْرَقَ، ثُمَّ أَذِنَ لِي فِي الِانْصِرَافِ. فَلَمْ أَلْبَثْ فِي مَنْزِلِي حَتَّى عَادَ الرَّسُولُ إِلَيَّ، وَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ.