بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٣ - بصائر وأحكام
ولقد كانت البشرية تائهة في صحاري الجهل يوم نزول القرآن الكريم، فكانت تزعم جهلًا أن بضعة كلمات تعرفها، وبضعة أبيات شعريّة تحفظها، وبضعة حِكَمٍ تتناقلها، هي كلّ العلم! مثلهم في ذلك مثل فلاسفة اليونان الأقدمين.
وإذا رجع الإنسان إلى فلاسفة اليونان، أو إلى كلمات عرب الجاهلية الساذجة، أو إلى أيَّة ثقافة بشريّة أخرى كانت قبل نزول الوحي، تبين له أن كلّ طائفة وأمّة كانت تزعم أن جملة معلوماتها، والتي كانت تمتاز بالبساطة، ويشوبها الكثير من الجهل، والكثير من التعميمات، أنها تُمثِّل العلم كلّه، حتى أن الواحد من أفراد هذه الأمة أو تلك الطائفة كان يتبختر ويظن أنه قد بلغ ذروة العلم وسنام المعرفة. في حين أن القرآن المجيد فاجأ البشريّة كلّها بالقول الصريح وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [١].
ولفرط الجهل المتفشي في الناس، فإن بعضًا منهم، وخصوصًا اليهود، قد اعترضوا على هذا القول الربّاني الشريف.
وعن هذا، قال ابن جريج قال حي بن أخطب: (تزعم يا محمد؛ إنَّا لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا، وتقول وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [٢]، فكيف يجتمعان؟!.
فنزل قوله تعالى قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي .. [٣]، ونزل وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ..) [٤].
[١] سورة الإسراء، آية: ٨٥.
[٢] سورة البقرة، آية: ٢٦٩.
[٣] سورة الكهف، آية: ١٠٩.
[٤] التبيان في تفسير القرآن، الشيخ الطوسي، ج ٧، ص ١٠٠.