بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٦ - هكذا تتولد الحكمة
المساعدة على بقاء النعمة، فيحاول المحافظة عليها بشكل عملي. إذ النعم عادةً ما لا تبقى، ما لم يحافظ الفرد عليها. والصحّة مثلٌ على ذلك، حيث لا يمكن أن نتصوّر فردًا يشكر ربّه على نعمة الصحّة، وهو يفرّط بها ولا يهتم لصونها. وكذلك نعمة الأمن والمال والجاه والعلم وغير ذلك.
والمؤمن يتفطّن من خلال الشكر، ومن خلال اهتمامه بعوامل وجود النعمة وبقائها، إلى حقائق الحياة وسننها العميقة. هذه السنن الثابتة التي لا تعرف الهزو واللعب. ولذلك، أضحى الشكور فطنًا ذكيًّا، ينظر إلى الأمور نظرةً عميقة، ومن خلال نظرته وبحثه عن عوامل النعمة، يتعرّف شيئًا فشيئًا إلى حقائق الكون والحياة الاجتماعية والسياسيّة والثقافية والاقتصادية.
ولعلّي قد خلصت إلى هذه الحقيقة من خلال قراءتي للآيتين (١٢٠١٢١) من سورة النحل المباركة، حيث قال الله عزّ اسمه إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وهذا الاجتباء وهذه الهداية قد تأتّيا كميراثٍ لشكره. وإذا كنت أكثر دقّة، وجدت العلاقة قريبة من قوله تعالى وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِراً لأَنْعُمِهِ، لأن الشكر يقف في النقطة المقابلة للشرك.
فالشكر هو التوجّه إلى الله المنعم، في حين أن الشرك هو التوجّه إلى غير الله المنعم، وإشراك غير الله في النعمة، وحيث يظن المرء أن ما به من النعم قد جاءته من غير الله، فإنه لا يُعير أهميّة