فقه الشيعة - الموسوي الخلخالي، السيد محمد مهدي - الصفحة ١٣٢ - (مسألة ٢) لا إشكال في نجاسة الغلاة
و الزيارات[١]الّتي ظاهرها تفويض الأمر إليهم عليهم السّلام في تلك
[١]منها
ما في زيارة الحسين عليه السّلام المروية في الكافي-ج ٤ ص ٥٧٧ طبعة دار
الكتب الإسلامية-عن الصادق عليه السّلام: «ارادة الرب في مقادير أموره تهبط
إليكم، وتصدر من بيوتكم، والصادر عما فصل من أحكام العباد. »إذ قد يتوهم:
دلالته على أن الأئمة الأطهار عليهم السلام كما انهم مصادر للأحكام الشرعية
والإرادة التشريعية الإلهية كذلك هم مصادر لمقدرات الأمور والإرادة
التكوينية فيكون المعنى أنه قد فوض إليهم أمر التشريع والتكوين جميعا،
فيؤخذ منهم الأحكام الشرعية، ويتصرفون في الكون ما شاؤا. ويندفع: بأنه لا
معنى لهبوط ارادة الرب التكوينية إليهم عليهم السلام، لأن إرادته تعالى
احداثه وفعله، كما فسرها به الأئمة الأطهار عليهم السلام فيما روى عنهم-في
أصول الكافي ج ١ ص ١٠٩ باب أن الإرادة من صفات الفعل-و لا معنى حينئذ
لهبوطها إليهم. وتوهم: إيكال الإرادة الإلهية إليهم عليهم السلام بمعنى
أنهم إذا شاؤا شاء اللّه تعالى خلاف ظاهر العبارة جدا، فلا محالة لا يخلو
الحال من ارادة أحد أمرين. الأول: أن يكون المراد أنهم يعلمون بإرادة اللّه
تعالى التكوينية أي بما يفعله تعالى في الأمور الكونية فيكون المعنى انه
تعالى يطلعهم على ما قدره في خلقه وعباده من الأمور الغيبية، وهم يخبرون
بها إذا شاؤا.
و يؤيد ذلك ما ورد في جملة من الروايات-المروية في البحار ج ٢٦ باب ٦ ص ١٠٩
طبعة الإسلامية-من أنه لا يحجب عنهم علم السموات والأرض، فيهبط إليهم علم
خلق اللّه تعالى، ويصدر من بيوتهم.
و منه يعلم: أنه لو كانت الإرادة الإلهية من صفات الذات لا الفعل، كما عليه
أكثر الحكماء، بمعنى أنها الابتهاج والرضا في مرحلة الذات المتحد مع العلم
مصداقا وان كان مغايرا له مفهوما لاستقام المعنى أيضا، لأن المراد حينئذ
أنهم عليهم السلام يعلمون بها أى يطلعهم اللّه تعالى على إرادته ومشيته في
مقدرات الأمور الكونية، وان شاؤا أخبروا بها، ويكون حاصل المعنى: أنه تعالى
يطلعهم على خلقه أو إرادته فيه وهذا من فضل اللّه تعالى يؤتيه من يشاء انه
ذو فضل عظيم.
و قال تعالى { وَ مََا كََانَ
اَللََّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ
يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشََاءُ فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ.
} -آل عمران ٣: ١٧٩-أى فإذا اجتباه يطلعه على غيبه، كما أطلع النبي- صل اللّه عليه وآله-على حال المنافقين. وقال تعالى أيضا { عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلىََ غَيْبِهِ أَحَداً `إِلاََّ مَنِ اِرْتَضىََ مِنْ رَسُولٍ } -الجن ٧٢: ٢٦-٢٧-و هاتان الايتان يخصص بهما إطلاق الآيات الدالة على اختصاص الغيب به تعالى.
الثاني ان يكون المراد الإرادة التشريعية ونزول الأحكام الشرعية إليهم
عليهم السّلام ولو بواسطة الرسول الأكرم-صلّى اللّه عليه وآله-فتكون الجملة
الثانية«و الصادر عما فصل من أحكام العباد»كتوضيح أو تأكيد للجملة الاولى،
وهذا هو الأنسب، لأن بيوتهم بيوت الوحي والتنزيل، ويكون قوله عليه
السّلام«و الصادر عما فصل»مبتدإ وخبره مقدر بقرينة ما سبق، اى يصدر من
بيوتكم.
و منها: ما في الزيارة الجامعة الكبيرة المروية في الفقيه-ج ٢ ص ٣٧٠ طبعة
دار الكتب الإسلامية-عن الإمام الهادي عليه السّلام«بكم فتح اللّه، وبكم
يختم، وبكم ينزل الغيث، وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض الا باذنه، وبكم
ينفس الهم، ويكشف الضر»و قريب منها ما في الزيارة المتقدمة للحسين عليه
السّلام: «بكم تنبت الأرض أشجارها وبكم تخرج الأشجار أثمارها، وبكم تنزل
السماء قطرها ورزقها. »المروية في الكافي ج ٤ ص ٥٧٦-٥٧٧-و لكن الظاهر من
هذه الفقرات ونحوها أن الأئمة الأطهار عليهم السّلام وسائط للفيوضات
الربانية لا المباشرون لها، بمعنى انه تعالى بسبب وجودهم ينزل الغيث، ويمسك
السماء وهكذا، لا أنه تعالى يستعين بهم في هذه الأمور.
و منها: ما في الزيارة الجامعة أيضا: «و استرعاكم أمر خلقه»أي استحفظكم إياه، وولى أمره إليكم.
بتوهم: أن إطلاق الأمر يعم التشريعي والتكويني كما أن إطلاق الخلق يعم غير
الإنسان، فتدل هذه الجملة على إيكال مطلق أمر الخلق إليهم عليهم السّلام.
ويدفعه: انه لو سلم الإطلاق، ولم يحمل على خصوص التشريع، لاحتفافه بما
يحتمل القرينية من قوله عليه السّلام قبلها»فبحق من ائتمنكم على سره»و
بعدها«و قرن طاعتكم بطاعته»لم يدل على إيكال الأمر إليهم عليهم السّلام على
نحو التفويض التام، بحيث يستلزم انعزال الباري تعالى عن أمر خلقه بالمرة،
كما لا يخفى، فان رعايتهم لأمر الخلق انما يكون بعطاء من الرب، والاعتقاد
بذلك لا يوجب كفرا، ولا غلوا، كما ذكر في الشرح في القسم الثالث.