فقه الشيعة - الموسوي الخلخالي، السيد محمد مهدي - الصفحة ١٣١ - (مسألة ٢) لا إشكال في نجاسة الغلاة
يوجبه
إلاّ مع الاعتقاد بأنه خلاف الضرورة فلا يحكم بكفرهم لو كان ذلك عن جهل
بالحال، أو لشبهة حاصلة من الكلام المأثور عنهم عليهم السّلام في بعض
الروايات[١].
أو الأدعية[٢].
[١]منها:
ما في نهج البلاغة من كتاب أمير المؤمنين عليه السّلام الى معاوية ذكر فيه
في مقام بيان فضائله عليه السّلام: «فإنا صنائع ربنا والناس بعد صنائع
لنا. »-شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج ١٥ ص ١٨٢-إذ قد يتوهم من هذه
العبارة أن الناس مخلوقون لهم وهم مخلوقون للّه تعالى.
و لكن يدفعه أولا أن اللام في قوله عليه السّلام: «صنائع لنا»ظاهر في
التعليل لا التعدية فيكون المعنى ان الناس خلقوا لأجلنا. كما في قوله
تعالى { خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً } -البقرة:
٢٩-و من هنا لم يذكر اللام في قوله عليه السّلام«فإنا صنائع ربنا»و ثانيا:
لو سلم كونه للتعدية كان المراد ان الناس مصنوعون لهم في الهداية والرشاد،
فإنهم الهادون للخلق، ومرشد وهم إلى الحق، فيكون المعنى ان اللّه تعالى
هادينا، ونحن هادون للخلق. قال ابن أبى الحديد في ج ١٥ ص ١٩٤ من شرحه: «هذا
كلام عظيم عال على الكلام، ومعناه عال على المعاني، وصنيعة الملك من
يصطنعه الملك، ويرفع قدره، يقول: ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل اللّه
تعالى هو الذي أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنائعنا،
فنحن الواسطة بينهم وبين اللّه تعالى، وهذا مقام جليل ظاهرة ما سمعت،
وباطنه أنهم عبيد اللّه، وأن الناس عبيدهم».
و منها: ما عن أمير المؤمنين عليه السّلام أيضا في خصال الصدوق: «إياكم
والغلو فينا قولوا: انا عبيد مربوبون، وقولوا في فضلنا: ما شئتم»-البحار ج
٢٥، باب-٩-نفي الغلو ص ٢٧٠ حديث ١٥ طبع دار الكتب الإسلامية-إذ لعله يتوهم
منه: أن عموم قوله عليه السّلام«قولوا في فضلنا: ما شئتم»يشمل التفويض.
ولكن يدفعه أن نهيه عليه السّلام عن الغلو في حقهم وإثبات العبودية
والمربوبيّة لهم عليهم السّلام ينفيان التفويض، كما هو واضح. فيكون المعنى
قولوا في فضلنا ما شئتم مما يناسب العبودية والمربوبية.
[٢]كما في الدعاء المروي في التوقيع
الشريف من الناحية المقدسة برواية الشيخ«قده» في مصباح المتهجد عن محمد بن
عثمان بن سعيد رضى اللّه عنه في شأن ولاة الأمر: انه يدعى به في كل يوم من
أيام رجب«اللهم إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك. إلى قوله
عليه السّلام فجعلتهم معادن لكلماتك، وأركانا لتوحيك وآياتك، ومقاماتك التي
لا تعطيل لها في كل مكان، يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها الا أنهم
عبادك وخلقك، فتقها ورتقها بيدك. ».
إذ قد يتوهم من قوله عليه السّلام«لا فرق بينك وبينها»: أنه لا فرق بينه
تعالى وبين ولاة أمره في ثبوت المقامات الإلهية لهم عليهم السّلام سوى أنهم
عباده وخلقه، فيدل على التفويض.
و يدفعه: أن هذا الدعاء مع إجمال عباراته وعدم ثبوت صحة سنده-لان الشيخ
يرويه عن أحمد بن محمد بن عياش الجوهري ولم يثبت وثاقته-لا دلالة فيه على
التفويض لان قوله عليه السّلام: «فتقها ورتقها بيدك. »ينفى التوهم المزبور
لدلالته على أن كل ما يكون لهم عليهم السلام من الشئون والمقامات عطاء
ربوبى، ومع ذلك فتقها ورتقها بيده تعالى، لأنهم عباده وخلقه. فلاحظ الدعاء
بتمامه، وقد ذكره المحدث القمي في مفاتيحه في الأدعية الرجبية. ورواه
المجلسي في البحار ج ٩٨ ص ٣٩٢- ٣٩٣: طبعة الإسلامية.