فقه الشيعة - الموسوي الخلخالي، السيد محمد مهدي - الصفحة ١٣٤ - (مسألة ٢) لا إشكال في نجاسة الغلاة
الأمور(الثالث)من
يعتقد بأنّ الأئمّة عليهم السّلام عباد مكرمون وهم أشرف المخلوقات على
الإطلاق، ولذلك كرّمهم اللّه تعالى، فجعلهم وسائط للفيض، فيسند إليهم أمور
التشريع، والتكوين على ضرب من الإسناد، كما يسند الإماتة إلى ملك يسند
الإماتة إلى ملك الموت[١]و الرزق إلى ميكائيل، والمطر إلى ملك المطر[٢]بل في الكتاب العزيز إسناد الخلق وشفاء المرضى وإحياء الموتى إلى عيس بن مريم عليهما السّلام في قوله تعالى
{ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ.
فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اَللََّهِ، وَ أُبْرِئُ
اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ اَلْمَوْتىََ بِإِذْنِ اَللََّهِ.
} [٣]فالاعتقاد بأنّهم
عليهم السّلام رازقو الخلق، ومحيوهم، ومميتوهم بهذا المعنى أي بمعنى قدرتهم
على ذلك بإقدار من اللََّه تعالى بحيث لا يرجع إلى الاعتقاد بربوبيّتهم،
ولا بتفويض الأمر إليهم لا محذور فيه، ولا يوجب الكفر، بل هو من الغلو
الحسن الّذي لا بد من الالتزام به في الجملة[٤]إذ لا تنافي بين
[١]كما في قوله تعالى { قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } السجدة ٣٢: ١١.
[٢]راجع سفينة البحار ج ٢ ص ٥٤٦ تهتدي الى أبواب البحار في بيان أوصاف الملائكة، وأصنافهم، وما أوكل إليهم من الأعمال.
[٣]آل عمران ٣: ٤٩.
[٤]أقول: ظاهر جملة من الآيات الكريمة
صدور خوارق العادات من الأنبياء عليهم السلام صدور الفعل من فاعله، بحيث
كانوا يتصرفون في الأمور التكوينية بإرادتهم، الا ان ذلك كان بإقدار من
اللََّه العزيز الحكيم لهم على ذلك، ومما يدلنا على ذلك قوله تعالى في شأن
عيسى بن مريم-عليه السّلام { أَنِّي
أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ، فَأَنْفُخُ فِيهِ
فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اَللََّهِ وَ أُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ وَ
اَلْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ اَلْمَوْتىََ بِإِذْنِ اَللََّهِ. } -آل
عمران ٣: ٤٩-فقد نسب عيسى عليه السّلام خلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص
واحياء الموتى الى نفسه، وظاهر النسبة صدور هذه الأفاعيل منه عليه السّلام
الا أنه بإذن من اللََّه تعالى، أى برخصته، تعالى فالفعل فعله لكنه بإقدار
واذن منه تعالى، ولا موجب للحمل على الإسناد المجازي-كما قيل في بعض
التفاسير-بعد إمكان الحمل على الحقيقة وعدم وجود قرينة على الخلاف، إذ لا
محذور في إعطاء اللََّه عز وجل قدرة خرق العادة، والتصرف في الكون لبشر كما
أقدره على الأفعال العادية، من الأكل، والشرب، ونحوهما، فيتمكن من احياء
الموتى، كما يتمكن من الأكل والشرب {
قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ،
وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشََاءُ وَ
تُذِلُّ مَنْ تَشََاءُ بِيَدِكَ اَلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ } -آل عمران ٣: ٢٦-إذ من جملة ما يكون ملكا له تعالى، وتعمه
قدرته إقدار عبد من عباده الصالحين على فعل خارق للعادة-كإحياء
الموتى-لعدم كونه من المحالات العقلية كي لا تتعلق به القدرة، ولا يكون
ملكا له تعالى، وتكرار الاذن في كلامه عليه السّلام مما يشعر بإصراره على
استناد الآيات المذكورة الى اللََّه تعالى في الحقيقة، لأنها بقدرته تعالى،
ولما كان من المترقب ان يضل فيها الناس، فيعتقدوا بألوهيته استدلالا
بالآيات المعجزة الصادرة عنه عليه السّلام قيد كل آية يخبر بصدورها منه مما
يمكن أن يضلوا بها كالخلق، واحياء الموتى باذن اللََّه تعالى، ثم ختم
الكلام بقوله { إِنَّ اَللََّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هََذََا صِرََاطٌ مُسْتَقِيمٌ } آل
عمران ٣: ٥١-و من الجائز أيضا أن يكون تكرار الاذن للإشارة الى أن
الأنبياء عليهم السّلام لا يصدر منهم خرق العادات إلا بإذن خاص من اللََّه
تعالى في كل مورد بخصوصه، كما في الشفاعة، قال اللََّه تعالى { مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاََّ بِإِذْنِهِ } - البقرة ٢: ٢٥٥- ومن الآيات الظاهرة في صدور الفعل الخارق للعادة من الأنبياء قوله تعالى في شأن سليمان عليه السّلام { «فَسَخَّرْنََا لَهُ اَلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخََاءً حَيْثُ أَصََابَ» } -ص
٣٨: ٣٦-إذ هي دالة على أن الريح كانت تجري بأمره، وهو المجرى لها الا انه
بتسخير من اللََّه العزيز للريح له بجعله تحت أمره، كما دل عليه قوله تعالى
في مقام الامتنان عليه { هََذََا عَطََاؤُنََا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسََابٍ } -ص ٣٨: ٣٩-و قد ورد في تفسير دعاء سليمان عليه السّلام { رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاََ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي } -ص
٣٨: ٣٥-ان اللََّه تعالى سخر له الريح، والشياطين، وعلمه منطق الطير، ومكن
له في الأرض كي لا يشتبه على أحد أنه أخذ الملك ظلما، وهذا هو المراد من
قوله عليه السّلام ان يهب له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده-لا حظ تفسير
الصافي ج ٢ ص ٤٤٧. وعليه لا موجب لحمل الأمر في قوله تعالى: { «تَجْرِي بِأَمْرِهِ» } على الدعاء، أى بدعاءه. ومن تلك الآيات قوله تعالى في آصف بن برخيا { قََالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتََابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ. } -النمل-٢٧:
٤٠-لدلالتها على أن آصف ابن برخيا الذي عنده علم من الكتاب كان متمكنا من
إحضار عرش بلقيس من مكان بعيد بزمن أقصر من طرفة عين، وظاهر الآية الكريمة
إسناد الفعل إليه مباشرة، فكان ذلك من فعل آصف الا انه بإقدار من اللََّه
تعالى، وهذا تصرف في الكون بأمر خارق للعادة من دون أسباب ظاهرية، وهو
المطلوب، وانما لم يفعل ذلك سليمان بنفسه مع انه كان نبيا لا علامة للناس
أن آصف هو الوصي من بعده-كما ورد في الحديث المروي في ج ١٤ من البحار ص ١٢٤
طبعة الإسلامية.
و على الجملة ظاهر الآيات الكريمة المتقدمة صدور الأفعال المذكورة-كخلق
الطير، وإبراء الأكمه والأبرص، واحياء الموتى، واجراء الريح، والإتيان بعرش
بلقيس-من الأنبياء عليهم السلام ولا ينافي ذلك ظهور جملة من الآيات الأخر
في أن معجزات الأنبياء كانت من أفعال اللََّه تعالى، كقوله عز من قائل في
قصة إبراهيم عليه السّلام { يََا نََارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاََماً عَلىََ إِبْرََاهِيمَ } -الأنبياء ٦٩: ٢١-لدلالتها على أن صيرورة النار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السّلام كانت من أفعاله تعالى.
و هكذا قوله تعالى في ناقة ثمود { وَ آتَيْنََا ثَمُودَ اَلنََّاقَةَ } -الإسراء ١٧: ٥٩-و قوله تعالى في داود عليه السّلام { وَ أَلَنََّا لَهُ اَلْحَدِيدَ } -سبا: ٣٤: ١٠-قوله تعالى في قصة عصا موسى عليه السّلام
{ قََالَ أَلْقِهََا يََا مُوسىََ، `فَأَلْقََاهََا فَإِذََا هِيَ
حَيَّةٌ تَسْعىََ، `قََالَ خُذْهََا وَ لاََ تَخَفْ سَنُعِيدُهََا
سِيرَتَهَا اَلْأُولىََ. } -طه ٢٠: ٢١- لدلالتها على أن اعادة
الحية عصا كانت من فعله تعالى كأصل قلبها حية وان فعل موسى عليه السّلام
كان مجرد إلقاء العصا الذي هو مقدمة لانقلابها حية.
وجه عدم المنافاة هو إمكان الالتزام بان معجزات الأنبياء كانت على
نوعين«أحدهما»ما كان فعلا له تعالى ولكن على يد أنبيائه عليه السّلام،
كالقرآن الكريم المنزل على رسوله الأكرم صلّى اللََّه عليه وآله، فإنه كلام
اللََّه عز وجل، وكتبريد النار على إبراهيم عليه السّلام، وخلق ناقة ثمود،
وتليين الحديد لداود عليه السّلام، وقلب العصا حية لموسى عليه السّلام،
و«الثاني»ما كان فعلا للأنبياء عليهم السّلام كالأفعال المتقدمة المحكية عن
عيسى وسليمان وآصف بن برخيا عليهم السّلام، ولا يوجب ذلك شركا ولا كفرا
بعد الاعتراف بأنها سلطنة إلهية فإن ثبوت القدرة لهم على خوارق العادات
باذن من اللََّه تعالى لا يلزم حصر صدورها بهم عليهم السّلام، وانه تعالى
لا يفعل شيئا من ذلك.
هذا كله في الأنبياء وقد ثبت بما ذكرنا ثبوت ولايتهم التكوينية على
الكائنات ولاية إلهية اعطائية باذن ورخصة منه تعالى وتقدس فيما اقتضتها
المصلحة والحكمة الربانية وأشرفهم وخاتمهممحمد صلّى اللّه عليه وآله، وقد
تواترت الاخبار بصدور المعجزات عنه صلّى اللّه عليه وآله بل قد دل عليه
الكتاب العزيز في قوله تعالى { اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ } بناء على ما ورد في التفاسير والروايات من انشقاق القمر بإشارته وأمره صلّى اللّه عليه وآله.
و أما الأئمة الأطهار فيدل على ثبوت الولاية التكوينية لهم على الوجه
المذكور مضافا الى المعجزات المحكية عنهم عليهم السّلام التي تواترت بها
الاخبار-و من جملتها ما رواه في البحار ج ٤٦ و٤٧ في باب معجزات الباقر
والصادق-عليهما السّلام-و في بعضها قول الباقر عليه السّلام لجابر: «ان
اللّه أقدرنا على ما نريد ولو شئنا ان نسوق الأرض بأزمتها لسقناها»-البحار ج
٤٦ ص ٢٤٠ ح ٢٣-الى غير ذلك من الاخبار المذكورة في البابين، ومضافا الى
قاعدة اللطف المقتضية للزوم إعطاء هذه القدرة لهم عليهم السّلام كي يبرهنوا
بها على إمامتهم إتماما للحجة متى اقتضته الحال-الأخبار الدالة على ان
اللّه تعالى قد أعطاهم جميع ما أعطاه للأنبياء السابقين كقول الصادق عليه
السّلام في حديث-«كل نبي ورث علما أو غيره فقد انتهى الى آل محمد صلّى
اللّه عليه وآله»راجع كتاب الكافي-ج ١ ص ٢٣ باب ما عند الأئمة من آيات
الأنبياء عليهم السّلام- فتحصل من جميع ما ذكرناه: ان القول بثبوت الولاية
التكوينية للأنبياء والأئمة الأطهار عليهم السّلام بمعنى تمكنهم من التصرف
في الكون باذن من اللّه تعالى لا محذور فيه أصلا، بل يساعده العقل، ويدل
على تحققها الكتاب العزيز، والاخبار البالغة فوق حد التواتر أعنى بها
الواردة في أبواب معجزات الأنبياء والأئمة-كما أشرنا-فلا حظ وقد أطلنا
الكلام في المقام دفعا لشبهة وقعت في الأوهام ومن اللّه الاعتصام.