التحول المذهبي - الحسّون، علاء - الصفحة ٥٢
حتى تَوالت على الأمّة عهود تتابع فيها حاكمون يتبنّون اتّجاهاً واحداً يتعصّبون له ويوفّرون له الحماية وأسباب الانتشار ويواجهون بالعنف كلّ اتّجاه آخر.
ثمّ وجدوا في كلّ عصر رجالاً ممّن عُرف بالفقه، تقرّبوا إليهم واجتهدوا في توطيد سلطانهم، فتعاظم الشرخُ بين فصائل الأمة، وترسّخت الحواجز التي أصبحت هنا حواجز دينيّة بين فئة تعيش في ظل السلطان ثم تمنحه الشرعيّة في سياساته ومقاصده، وفئات أخرى يطارد رجالها ويؤذى كبراؤها، وربما يقتلون ويحجر على أفكارهم وتعاليمهم وكتبهم "[١].
ويضيف صائب عبد الحميد:
" تلك الأجواء كانت السبب المباشر في ظهور الأخبار المكذوبة والأحاديث الموضوعة والعقائد الدخيلة، التي تسلّحت كلّ فرقة بطائفة منها، ورمت خصومها بطائفة أخرى، ساعدت على ذلك قمع السلطات للعلماء المخلصين والمجاهدين والمصلحين، وابتعاد بعضهم عن المواجهة.
فهل ذهبت تلك النزاعات ودرست مع الزمن، وأختفت آثارها؟!
يغالط نفسه ويخادعها من يزعم ذلك...
إنّ الحقيقة التي ينبغي أن لا تغيب عن أحد أنّ تُراثنا الموجود بين أيدينا إنّما جمع وصنّف في تلك الأحقاب، لا غير..
فكل تراثنا الذي نقرأه: في الحديث، في التّفسير، في الفقه، في الأصول، في العقائد، في التّاريخ كلّه تراث تلك العهود; عهود النّزاع السياسي والمذهبي.
إذن لاشك أن يأتي تراثنا محمّلا بتلك الآثار الخطيرة، وهذه هي الحقيقة التي طغت على تراثنا الإسلامي.
هذه الحقيقة هي أوّل ما ينبغي أن نقف عنده، لاعلى طريق التقريب بين المذاهب
[١] صائب عبد الحميد/ حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي: ١٨.