التحول المذهبي - الحسّون، علاء - الصفحة ٣٤٩
ثمّ يضيف قائلاً:
" هل نستطيع أن نقف أمام الحقائق والتاريخ وقفة حياد تامّ كما نقف أمام الظواهر الكونيّة والنظريّات العلميّة في الفيزياء والكيمياء والفلك وطبقات الأرض؟
لماذا نقف أمام العلوم التجريبيّة بحياد تام، فيما لانعرف شيئاً من ذلك الحياد تجاه المفاهيم الدينيّة والحقائق التاريخيّة؟
لم يكن السرّ في ذلك هو اختلاف طبيعة الحقائق الدينيّة والتاريخيّة عن طبيعة الحقائق التجريبيّة.
إنّما السرّ في أنّنا قد بَنينا مواقف مسبقة تجاه القضايا الدينيّة والتاريخيّة، وهذه المواقف المسبقة هي التي تتحكّم في طريقة تلقّينا للقضايا والحقائق.. بينما لم يكن شيء من ذلك تجاه القضايا التجريبيّة.
ومن مزايا هذه المواقف المسبقة أنّها أضفت صفة القداسة على كثير من المفاهيم والأشخاص، فوقفت هذه القداسة سدّاً منيعاً دون تقبّل أيّ حقيقة تصدمها أو لاتتلاءم معها! هذا مع أنّ المنهج الذي رسمه الإسلام للحوار والبحث العلمي قد ألغى أيّ نوع من القداسة على المفاهيم وعلى الأشخاص، وفتح أبواب البحث العلمي حتى حيال أقدس المبادىء والمفاهيم، ألا وهو مبدأ التوحيد.
فحين ردّ القرآن الكريم على الذين جحدوا مبدأ التوحيد لم يصدمهم أوّلاً بما لهذا المبدأ من قداسة، ولم يهوّل عليهم أمر التشكيك حتى أتى بالحجّة والبرهان القاطع:
قال تعالى: ( وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إله إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُم على بَعْض).
فبعد أن قدّم البرهان العلمي الثابت حقّ له عندئذ أن يبدي ما لهذا الأمر من قداسة، فقال: ( سُبْحَانَ الله عَمّا يَصِفُونَ * عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ)[١].
[١] المؤمنون: ٩١ـ٩٢.