التحول المذهبي - الحسّون، علاء - الصفحة ٢٣٧
لكنّ شيئاً حزّ نفسي وهو هذه الكثرة الغالبة، لقد كبرت في عيني، وصعب عليّ مخالفتها، لولا أن هداني الله، بيد أنّ شيئاً واحداً جعلني انتصر عليها ولا أبالي، وهي عندما وجدتها جاهلة. واستحضرت (جدّيتي) التي ورثتها من فكر (الهجرة والتكفير) فهذا الأخير على علاّته، علّمني كيف أخالف المجتمع الجاهلي، فهذا احتياطٌ جليل مكّنني من الصمود أمام الأمواج البشريّة المتدفّقة، والتي ليس لها منطق في عالم الحقائق سوى كثرتها "[١].
ولهذا واجه القرآن هذه الحالة التي تجعل الكثير من الناس منهزمين نفسيّاً أمام كثرة الباطل، أو يخيّل لهم أنّ الحقّ في جانب الكثرة.
فقال تعالى: ( قُل لا يَستَوي الخَبيث والطيّب ولَو أعجَبك كَثرةُ الخبيث فاتّقوا اللهَ يا أوُلي الألبَاب لعلّكُم تُفلحونَ)[٢].
وقد ذكر الباري عزّوجل آيات كثيرة من أجل تصحيح فهم الذين يظنّون بأنّ الكثرة تعني الحقّ، وأنّ أحقيّة أيّ عقيدة واصالتها ترتبط بكثرة عدد أتباعها وانتشارها أو ذيوع صيتها أو ما تحقّقه من انتصارات سياسيّة.
وقد جاءت في القرآن آيات كثيرة تصف الأكثريّةَ بأنّهم لا يعلمون[٣]، ولايؤمنون[٤]، ولايشكرون[٥].
وبهذا أراد الباري عزّوجل أن ينتزع من نفوس المؤمنين الشعور بالضعف والانهزام والرهبة فيما هم عليه إزاء كثرة الباطل وقوّته، ليعرفوا أنّ التمييز بين الحقّ والباطل يتطلّب عدم لحاظ الكثرة والقلّة، لأنّ قضية الحقّ والباطل لا تخضع لحساب
[١] إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٦١.
[٢] المائدة: ١٠٠.
[٣] الأعراف: ١٨٧.
[٤] هود: ١٧.
[٥] البقرة: ٢٤٣.