التحول المذهبي - الحسّون، علاء - الصفحة ٢١٧
فبعد أن أمضيت الشهور في الدرس والتنقيب والمناظرة والبحث، وبلغت كامل اليقين واستجمعت قواي في ليلة ختمتُ فيها مجلساً في بحث متشعّب عميق في هذه المواضيع، فخرجتُ منه وأنا أشدّ يقيناً وأثبتُ حجّةً عازماً أن أبدأ الفجر الجديد بالصلاة وفق مذهب أهل البيت (عليهم السلام)...
وبينما كنت أعيش نشوة الإنتصار وحلاوة اليقين، إذ صادف أن اجتمعت مع ثلّة من أبناء الشيعة، فتناولنا أطراف الحديث، فلمّا رأيتهم يتحدّثون وملؤهم الفخر بمذهبهم ثارت فيّ تلك النفس ـ المعاندة ـ من جديد، وأبت أن توافقهم!
فخضت الحديث معهم أُغالط نفسي على علم وإصرار، ومضيت هكذا حتى سئمت نفسي واضطربت في داخلي، ولكنّي لست مستعدّاً للانقياد لهم!
فعدت متحيّراً من نفسي وما فيها، ونمتُ مصروعاً ثقيلاً.. وعدت أقضي شهوراً أخرى مضطرباً بين يقين عرفته وأعتقده وبين عناد وكبرياء لهما جذور قديمة!
وبقيت هكذا أصطنع العلل والأعذار وأجعلها شرعيّةً طبعاً، ولكنّها كانت كبيوتات الصغار، يشيدونها على الرمال فتنقشع وتزول آثارها بعد ساعة حتى أجليتُ ما في صدري بدموع الليل وزفرات الخلوة، أبكي حبّاً وشوقاً إلى سادة الخلق وأنوار الهدى، وأبكي على نفسي وغَلَبتها.
حتى أحسست و أنا في هدأة الليل كأنّ قطرة من تلك الدموع قد أتت على آخر عِرق من عروق تلك الكبرياء، فاقتلعتها من محلّها، وسقت مكانها بذرة، بذرة الطّاعة الولاء، فانتفضتُ مُكبّلاً أُطلق لتَوّه، خفيف الحمل كطائر صغير، مستبشراً كضائع أشرفَ فجأةً على أحبّته وذويه.. وأفقتُ مطمئنّاً في أوسط سفينة النجاة، أنهل من منهلها العذب الصافي "[١].
ولهذا يقول صائب عبد الحميد لإخوانه من أهل السنّة مشيراً إلى خطورة التعصّب
[١] صائب عبد الحميد/ منهج في الانتماء المذهبي: ٣١١ـ٣١٢.