نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٢٧ - ٥٦ الوزير علي بن عيسى يرفع التكملة و يضع الخراج على الشجر
سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين، يحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو، و يسأله أن يصلّي على محمد عبده و رسوله، صلّى اللّه عليه و سلّم تسليما كثيرا.
أمّا بعد، فإن أفضل الأعمال قدرا، و أجملها ذكرا، و أكملها أجرا، ما كان للتقى جامعا، و للهدى تابعا، و للورى نافعا، و للبلوى رافعا.
و قد جعل اللّه-عزّ و جلّ-أمير المؤمنين، فيما استرعاه من أمور المسلمين، مؤثرا لما يرضيه، صابرا على ما يزلفه عنده و يحظيه، و ما توفيق أمير المؤمنين إلاّ باللّه، عليه يتوكّل، و به يستعين.
و قد عرفت حال السجزيّة و الخرمية، الذين تغلبوا على كور فارس و كرمان، و أحدثوا الجور و العدوان، و أظهروا العتوّ و الطغيان، و انتهكوا المحارم، و ارتكبوا المظالم، حتى أنفذ أمير المؤمنين جيوشه إليهم، و تورّد [١]
بها عليهم، فأزالهم و بدّدهم، و شتّتهم و أبادهم، بعد حروب تواصلت، و وقائع تتابعت، أحلّ اللّه بهم فيها سطوته[٤٨]، و عجّل لهم نقمته، و جعلهم عبرة للمعتبرين، و عظة للمستمعين، (وَ كَذََلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذََا أَخَذَ اَلْقُرىََ وَ هِيَ ظََالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [٢] .
و لما محق اللّه أمر هؤلاء الكفار، و فرّق عدد أوباشهم الفجّار، وجد أمير المؤمنين، أفظع ما اخترعوه، و أشنع ما ابتدعوه، في مدّتهم التي طال أمدها، و عظم ضررها، تكملة اجتبوها بكور فارس، في سنّي غوايتهم، لمّا طالبوا أهلها بالخراج على أوفر عبرتهم [٣] ، من غير اقتصار به على
[١] توردت الجيوش البلدة: دخلتها قطعة قطعة، و قليلا قليلا.
[٢] . ١٠٢ ك هود ١١.
[٣] العبرة: تستخرج بأن يعتبر ارتفاع السنة التي هي أقل ريعا، و السنة التي هي أكثر ريعا و يجمعان و يؤخذ نصفهما، فتلك هي العبرة، بعد أن تعتبر الأسعار و سائر العوارض، و قوله في الكتاب:
أوفر عبرتهم، يعني أنه لم يحتسب لهم المعدل، و إنما طولبوا وفقا لحساب السنة التي هي أكثر ريعا (مفاتيح العلوم ٤٠) .