نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٩٩ - ٤٤ ما في الأرض أشد جناية على الوزراء و الرؤساء من أصاغر أسبابهم
ألفي دينار في كل يوم، عاجلة، و ألف بحوالات لا تروج، فكنت أحتاج أن أرهن سيوفي، و سروجي، و أدخل كل مدخل، حتى أقيم الأنزال [١] .
و وقّعا لي في بعض الأيام، إلى جهبذهما ليث، بمال من مال الأنزال، جعلاه من مال ضياعهما، فتوارى ليث، فبثثت الرسل في طلبه، فوجده بعض رجّالتي، فأوصل إليه التوقيع.
فقال: ما عندي للوزير، و لا لابنه مال.
فقال له: فاحتل، و لو من مالك، فهذا مهمّ للأمير أبي أحمد.
فقال: و أيش لأبي أحمق عندي؟ فجاءني الرجل بالخبر، فحملني الغيظ عليهما، أن شكوت إلى الموفّق هذه الحال، و قلت: قد قال كلاما لا يجوز إعادة مثله-قبحا-عليك.
فطالبني بإحضار الرسول، فأحضرته، فأمره أن يحكي الكلام، فخاف الرسول، فأرهبه، فأعاده عليه بعينه، من غير كناية.
فقال: صدق ليث، لو لم أكن أبو أحمق لما تركت عليه، و على أصحابه الأموال، حتى ننظر [٢] .
فكان ذلك سبب تعجيل النكبة لهما.
فقال لي الموفق: أريد أن تلزم أصحابك، طلب ليث، و تظهر أنّه بسبب هذا التوقيع، و تبثّ الرجالة، حتى إذا حصل، قبضنا على أصحابه.
فأنفذت عدة، و لم أزل أجتهد حتى حصل.
و جاء سليمان و عبيد اللّه، من غد، للخدمة على الرسم، فشوغلا في الدار، إلى أن حصل ليث، فلما حصل، قبض عليهما، و أنفذ إلى صاعد،
[١] الأنزال: جمع نزل، اسمها الآن ببغداد: الأرزاق.
[٢] كلمة تهديد لم تزل مستعملة في العراق، يقول العامي: هسه نشوف، و فصيحها (الساعة ننظر) .