نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٧٣ - ١١٩ يحتال على القواد الأتراك بسرّ من رأى
فلما كان من غد، بكّرت إلى قائد منهم، بزيّ الرهبان، و قلت له، كما قلت للأوّل، و أعطاني أكثر من ذلك، حتى طفت على جماعة منهم، فحصل لي من جهتهم أكثر من خمسين ألف درهم.
فلما كان في بعض تلك الأيّام، صرت إلى أحدهم، و اتّفق أنّه كانت عنده دعوة، فيها وجوههم، فلمّا دخلت، و قصصت الرؤيا، و تأمّلتهم، و إذا في الجماعة واحد ممّن كنت لقيته بالرؤيا.
قال: فقامت عليّ القيامة، فلما فرغت من حديث الرؤيا، و أظهرت الإسلام على يد التركي، و أمر لي بالجائزة، و خرجت، أتبعني ذلك القائد بغلامه.
فلما بعدت عن الدار، قبض عليّ[١١٠]، و حملني إلى منزل التركي الأول، فقامت قيامتي، و أحسست بالمكروه، و بذلت للغلام جميع ما كان معي، ليدعني أنصرف، فلم يفعل.
و جاء التركي، و هو منتش [١] ، فقال: «يا با، حصلت تسخر بالأتراك واحد واحد، و تأخذ دراهمهم» [٢] ؟ قال: فقلقت فزعا، و قلت: يا سيدي، أنا رجل صفعان، فقير، مكدّ، و أنا فعلت هذا لآخذ شيئا.
قال: فقال لي: أ ظننت أنّني أفضحك في بلدك؟ما كنت بالذي أفعل، و قد جازت السخرية عليّ، حتى تجوز على الجماعة، كما جازت عليّ، و لكن أ ليس أنت؟ قال: فطايبته، و تصفّعت له، فضحك منّي، و استدعى بالنبيذ،
[١] المنتشي: السكران.
[٢] جملة بغدادية عامية، تعني: إنك قد أخذت تسخر بالأتراك واحدا بعد واحد، و تأخذ أموالهم.