وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٧٣ - الخندق
فأبشروا، فاستبشر المسلمون و قالوا: الحمد لله وعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون: أ لا تعجبون يمنيكم و يعدكم الباطل، و يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة و مدائن كسرى و أنها تفتح لكم، و أنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزل القرآن وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب: ١٢] و أنزل الله في هذه القصة قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران:
٢٦] انتهى.
و قوله «ذو باب» كذا هو بالواو بعد الذال، فإن صحت الرواية به فهو اسم لذباب أيضا؛ لأنه مضرب القبة في الخندق، و لم أر من ذكر ذو باب في بقاع المدينة.
و روى الواقدي في سيرته أن عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) كان يضرب يوم الخندق بالمعول، فصادف حجرا صلدا، فأخذ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) المعول و هو عند جبل بني عبيد، فضرب ضربة فذهبت أولها برقة إلى اليمن، ثم ضرب أخرى فذهبت أخرى إلى الشام، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة نحو المشرق، و كسر الحجر عند الثالثة، فكان عمر (رضي الله تعالى عنه) يقول: و الذي بعثه بالحق لصار كأنه سهلة، و كان كلما ضرب ضربة يتبعه سلمان ببصره فيبصر عند كل ضربة برقة، فقال سلمان: رأيت المعول كلما ضربت به أضاء ما تحته، فقال: أ ليس قد رأيت ذلك؟ قال: نعم، قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): إني رأيت في الأولى قصور اليمن، ثم رأيت في الثانية قصور الشام، و رأيت في الثالثة قصر كسرى الأبيض بالمدائن، و جعل يصفه لسلمان، فقال: صدقت و الذي بعثك بالحق إن هذه لصفته، فأشهد أنك رسول الله، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): هذه فتوح يفتحها الله عليكم بعدي يا سلمان، ليفتحن الشام و يهرب هرقل إلى أقصى مملكته و تظهرون على الشام فلا ينازعكم أحد، و لتفتحن اليمن، و لتفتحن هذا المشرق و يقتل كسرى فلا يكون كسرى بعده، قال سلمان (رضي الله تعالى عنه): فكلّ هذا قد رأيت.
و ما تقدم من فراغ الخندق في ستة أيام هو المعروف، لكن قال الحافظ ابن حجر: إن في مغازي ابن عقبة أنهم أقاموا في عمله قريبا من عشرين ليلة، و عند الواقدي أربعا و عشرين، و في الروضة للنووي خمسة عشر يوما، و في الهدى لابن القيم: أقاموا شهرا، انتهى. و الذي في الهدى: و أقام المشركون شهرا يحاصرون، و كذا ما نقله عن الروضة إنما هو في الحصار، و كذا ابن عقبة إنما ذكر ذلك في الحصار كما سبق في السنة الخامسة، لكن نقل ابن سيد الناس عن ابن سعد أن المدة في عمل الخندق ستة أيام، ثم قال: و غيره يقول: بضع عشرة ليلة، و قيل: أربعا و عشرين.