وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٤٤ - ثنية الوداع
و قال ابن إسحاق في غزوة تبوك: فلما خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) ضرب عسكره على ثنية الوداع، و ضرب عبد الله بن أبي معه على جدة عسكره أسفل منه نحو ذباب، و قال ابن سعد في سرية مؤتة دون دمشق: و خرج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف و ودعهم، و عسكروا بالجرف.
و في البخاري عن السائب بن يزيد قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقّى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك، و كل هذه الروايات متظاهرة على أن هذه الثنية هي المعروفة بذلك اليوم في شامي المدينة بين مسجد الراية الذي على ذباب و مشهد النفس الزكية، يمر فيها المار بين صدين مرتفعين قرب سلع.
و من تأمل كلام ابن شبة في المنازل و غيرها لم يرتب في ذلك، و سوق المدينة كانت هناك.
و تقدم في الدار التي أحدثها ابن هشام هناك بسوق المدينة ما يشهد لذلك، و أن ابن مكدم لما قدم من الشام و أشرف على ثنية الوداع صاح: مات الأحول، و أن الناس سألوه عن دار السوق، فقال: اهدموها، فابتدرها الناس.
و يوضحه أيضا ما رواه ابن إسحاق في غزوة العالية حيث قال: أول من نذر بهم سلمة، غدا و معه قوسه و هو يريد الغابة، فلما أشرف على ثنية الوداع نظر إلى الجبل، فعلا في سلع ثم صرخ: وا صباحاه، انتهى.
و أحد صدى هذه الثنية المعروفة اليوم متصل بسلع.
و في خبر رواه البيهقي عن أبي قتادة أنه أسرج فرسه، ثم نهض حتى أتى الزوراء، فلقيه رجل، فقال: يا أبا قتادة، تشوط دابتك و قد أخذت اللقاح، و قد ذهب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في طلبها و أصحابه، فقال: أين؟ فأشار له نحو الثنية، فإذا بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في نفر من أصحابه جلوسا عند ديار، و ذكر قصته في غزوة الغابة.
و الزوراء: في قبلة هذه الثنية، و ذباب: في شاميها.
و قال الحافظ ابن حجر في حديث الهجرة: أخرج ابن سعد في شرف المصطفى و روينا في فوائد الخلعي بسند معضل عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: لما دخل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة جعل الولائد يقلن:
طلع البدر علينا * * * من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا * * * ما دعا لله داعي
قال: و لعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك.