وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٨٧ - الفصل الثاني في بقية أدلة الزيارة، و إن لم تتضمّن لفظ الزيارة نصّا
لتعظيمه و التبرك به، و لتنالنا الرحمة بصلاتنا و سلامنا عليه عند قبره بحضرة الملائكة الحافين به، و ذلك من الدعاء المشروع له.
و الزيارة قد تكون لمجرد تذكر الآخرة، و هو مستحب؛ لحديث «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة». و قد تكون للدعاء لأهل القبور كما ثبت من زيارة أهل البقيع، و قد تكون للتبرك بأهلها إذا كانوا من أهل الصلاح، و قال أبو محمد الشارمساحي المالكي: إن قصد الانتفاع بالميت بدعة إلا في زيارة المصطفى صلى الله تعالى عليه و سلم و قبور الأنبياء و المرسلين صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين، قال السبكي: و هذا الاستثناء صحيح، و حكمه في غيرهم بالبدعة فيه نظر.
قلت: قد ذكر هذا الاستثناء ابن العربي أيضا، فقال: و لا يقصد يعني زائر القبر الانتفاع بالميت فإنها بدعة، و ليس لأحد على وجه الأرض إلا لمحمد صلى الله تعالى عليه و سلم، نقل ذلك عنه الحافظ زين الدين الحسيني الدمياطي، ثم تعقبه بأن زيارة قبور الأنبياء و الصحابة و التابعين و العلماء و سائر المرسلين للبركة أثر معروف.
و قد قال حجة الإسلام الغزالي: كلّ من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد موته، و يجوز شد الرحال لهذا الغرض، انتهى.
و قد تكون الزيارة لأداء حق أهل القبور، و قد روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه قال «آنس ما يكون الميت في قبره إذا زاره من كان يحبه في دار الدنيا» و سبق عن ابن عباس مرفوعا «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد (عليه السلام)» و رأيت بخط الأقشهري: روى بقيّ بن مخلد بسنده إلى محمد بن النعمان عن أبيه مرفوعا «من زار قبر أبويه في كل جمعة أو أحدهما كتب بارا و إن كان في الدنيا قبل ذلك بهما عاقا».
قال السبكي: و زيارة قبره (صلّى اللّه عليه و سلم) فيها هذه المعاني الأربعة فلا يقوم غيرها مقامها.
و قد قال عبد الحق الصقلي عن أبي عمران المالكي، قال: إنما كره مالك أن يقال «زرنا قبر النبي صلى الله تعالى عليه و سلم» لأن الزيارة من شاء فعلها و من شاء تركها، و زيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه و سلم واجبة، قال عبد الحق: يعني من السنن الواجبة، انتهى.
و اختار عياض أن كراهة مالك لذلك لإضافة الزيارة إلى القبر، و أنه لو قال «زرنا النبي صلى الله تعالى عليه و سلم» لم يكره؛ لحديث «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر قطعا للذريعة.