وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٨١ - الفصل الثاني في بقية أدلة الزيارة، و إن لم تتضمّن لفظ الزيارة نصّا
فإن قيل: قوله في الحديث المصدر به هذا الفصل «إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه» دال على عدم استمرار الحياة.
فالجواب من وجوه: الأول: أن البيهقي استدل به على حياة الأنبياء، قال: و إنما أراد و الله أعلم إلا و قد رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه، الثاني: أن السبكي قال: يحتمل:
أن يكون ردّا معنويا، و أن تكون روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة و الملأ الأعلى عن هذا العالم؛ فإذا سلم عليه أقبلت روحه على هذا العالم لتدارك السلام و ترد على المسلّم، يعني أن رد روحه الشريفة التفات روحاني، و تنزّل إلى دوائر البشرية من الاستغراق في الحضرة العلية. الثالث: قال بعضهم: هو خطاب على مقدار فهم المخاطبين في الخارج من الدنيا أنه لا بد من عود روحه حتى يسمع و يجيب، فكأنه قال: أنا أجيب ذلك تمام الإجابة، و أسمعه تمام السماع، مع دلالته على رد الروح عند سلام أول مسلّم، و قبضها بعد لم يرد، و لا قائل بتكرر ذلك، إذ يفضي ذلك إلى توالي موتات لا تحصر، مع أننا نعتقد ثبوت الإدراكات كالعلم و السماع لسائر الموتى، فضلا عن الأنبياء، و يقطع بعود الحياة لكل ميت في قبره، كما ثبت في السنة، و لم يثبت أنه يموت بعد ذلك موتة ثانية، بل ثبت نعيم القبر و عذابه، و إدراك ذلك من الأعراض المشروطة بالحياة، لكن يكفي فيه حياة جزء يقع به الإدراك، فلا يتوقف على البنية كما زعم المعتزلة.
و أما أدلّة حياة الأنبياء فمقتضاها حياة الأبدان كحالة الدنيا، مع الاستغناء عن الغذاء، و مع قوة النفوذ في العالم، و قد أوضحنا المسألة في كتابنا المسمى «بالوفا، لما يجب لحضرة المصطفى» صلى الله تعالى عليه و سلم.
و قال أبو محمد عبد الله بن عبد الملك المرجاني في أخبار المدينة له: قال صاحب الدر المنظم: إن النبي صلى الله تعالى عليه و سلم لما مات ترك في أمته رحمة لهم، روى عنه (عليه الصلاة و السلام) أنه قال: ما من نبي دفن إلا و قد رفع بعد ثلاث غيري، فإني سألت الله عز و جل أن أكون بينكم إلى يوم القيامة، اه و قال الحافظ ابن حجر: إن حديث «أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث» ذكره الغزالي لا أصل له، اه.
و روى عبد الرزاق أن سعيد بن المسيب رأى قوما يسلمون على النبي صلى الله تعالى عليه و سلم فقال: ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين، ثم روى عبد الرزاق إليّ حديث «مررت بموسى ليلة أسرى بي و هو قائم يصلي في قبره» كأنه أراد ردّ ما روي عن ابن المسيب، و هو رد صحيح، و لو صح قول ابن المسيب لم يقدح في مشروعية زيارة القبر؛ لشرفه بنسبته إليه صلى الله تعالى عليه و سلم، و علاقته به، و ابن المسيب لم ينكر