حكمت نامه امام حسين - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٨ - الف سوره حمد
٢٣. عيون أخبار الرضا عن الحسن بن عليّ [العسكريّ] عن أبيه عن جدّه عليهم السلام: جاءَ رَجُلٌ إلَى الرِّضا عليه السلام فَقالَ لَهُ: يَا ابنَ رَسولِ اللّهِ، أخبِرني عَن قَولِ اللّهِ عز و جل: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ما تَفسيرُهُ؟
فَقالَ: لَقَد حَدَّثَني أبي عَن جَدّي، عَنِ الباقِرِ، عَن زَينِ العابِدينَ عَن أبيهِ عليهم السلام أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام فَقالَ: أخبِرني عَن قَولِ اللّهِ عز و جل: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ما تَفسيرُهُ؟
فَقالَ «الْحَمْدُ لِلَّهِ» هُوَ أن عَرَّفَ عِبادَهُ بَعضَ نِعَمِهِ جُمَلًا، إذ لا يَقدِرونَ عَلى مَعرِفَةِ جَميعِها بِالتَّفصيلِ، لِأَنَّها أكثَرُ مِن أن تُحصى أو تُعرَفَ، فَقالَ لَهُم: قولوا:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ» عَلى ما أنعَمَ بِهِ عَلَينا «رَبِّ الْعالَمِينَ»، و هُم الجَماعاتُ مِن كُلِّ مَخلوقٍ؛ مِنَ الجَماداتِ وَ الحَيَواناتِ.
فَأَمَّا الحَيَواناتُ فَهُوَ يُقَلِّبُها في قُدرَتِهِ، و يَغذوها مِن رِزقِهِ، و يَحوطُها بِكَنَفِهِ، و يُدَبِّرُ كُلًاّ مِنها بِمَصلَحَتِهِ. و أمَّا الجَماداتُ فَهُوَ يُمسِكُها بِقُدرَتِهِ، و يُمسِكُ المُتَّصِلَ مِنها أن يَتَهافَتَ[١]، و يُمسِكُ المُتَهافِتَ مِنها أن يَتَلاصَقَ، و يُمسِكُ السَّماءَ أن تَقَعَ عَلَى الأَرضِ إلّا بِإِذنِهِ، و يُمسِكُ الأَرضَ أن تَنخَسِفَ إلّا بِأَمرِهِ، إنَّهُ بِعِبادِهِ لَرَؤوفٌ رَحيمٌ.
و قالَ عليه السلام: «رَبِّ الْعالَمِينَ» مالِكُهُم و خالِقُهُم و سائِقُ أرزاقِهِم إلَيهِم، مِن حَيثُ يَعلَمونَ و مِن حَيثُ لا يَعلَمونَ، وَ الرِّزقُ مَقسومٌ، و هُوَ يَأتِي ابنَ آدَمَ عَلى أيِّ سيرَةٍ سارَها مِنَ الدُّنيا، لَيسَ تَقوى مُتَّقٍ بِزائِدِهِ، و لا فُجورُ فاجِرٍ بِناقِصِهِ، و بَينَهُ و بَينَهُ سِترٌ و هُوَ طالِبُهُ، فَلَو أنَّ أحَدَكُم يَفِرُّ مِن رِزقِهِ لَطَلَبَهُ رِزقُهُ كَما يَطلُبُهُ المَوتُ.
فَقالَ اللّهُ جَلَّ جَلالُهُ: قولوا: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» عَلى ما أنعَمَ بِهِ عَلَينا و ذَكَرَنا بِهِ مِن خَيرٍ في كُتُبِ الأَوَّلينَ قَبلَ أن نَكونَ، فَفي هذا إيجابٌ عَلى مُحَمَّدٍ و آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله و عَلى شيعَتِهِم أن يَشكُروهُ بِما فَضَّلَهُم، و ذلِكَ أنَّ رَسولَ اللّهِ صلى الله عليه و آله قالَ:
لَمّا بَعَثَ اللّهُ عز و جل موسَى بنَ عِمرانَ عليه السلام وَ اصطَفاهُ نَجِيّا، و فَلَقَ لَهُ البَحرَ و نَجّى بَني إسرائيلَ، و أعطاهُ التَّوراةَ وَ الأَلواحَ، رَأى مَكانَهُ مِن رَبِّهِ عز و جل فَقالَ: يا رَبِّ لَقَد أكرَمتَني بِكَرامَةٍ لَم تُكرِم بِها أحَدا قَبلي!
فَقالَ اللّهُ جَلَّ جَلالُهُ: يا موسى، أما عَلِمتَ أنَّ مُحَمَّدا عِندي أفضَلُ مِن جَميعِ مَلائِكَتي و جَميعِ خَلقي؟
قالَ موسى عليه السلام: يا رَبِّ، فَإِن كانَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه و آله أكرَمَ عِندَكَ مِن جَميعِ خَلقِكَ، فَهَل
في آلِ الأَنبِياءِ أكرَمُ مِن آلي؟
قالَ اللّهُ جَلَّ جَلالُهُ: يا موسى، أما عَلِمتَ أنَّ فَضلَ آلِ مُحَمَّدٍ عَلى جَميعِ آلِ النَّبِيّينَ كَفَضلِ مُحَمَّدٍ عَلى جَميعِ المُرسَلينَ؟
فَقالَ موسى: يا رَبِّ، فَإِن كانَ آلُ مُحَمَّدٍ كَذلِكَ فَهَل في امَمِ الأَنبِياءِ أفضَلُ عِندَكَ مِن امَّتي؛ ظَلَّلتَ عَلَيهِمُ الغَمامَ، و أنزَلتَ عَلَيهِمُ المَنَّ وَ السَّلوى، و فَلَقتَ لَهُمُ البَحرَ؟
فَقالَ اللّهُ جَلَّ جَلالُهُ: يا موسى، أما عَلِمتَ أنَّ فَضلَ امَّةِ مُحَمَّدٍ عَلى جَميعِ الامَمِ كَفَضلِهِ عَلى جَميعِ خَلقي؟
فَقالَ موسى عليه السلام: يا رَبِّ، لَيتَني كُنتُ أراهُم!
فَأَوحَى اللّهُ عز و جل إلَيهِ: يا موسى، إنَّكَ لَن تَراهُم و لَيسَ هذا أوانَ ظُهورِهِم، و لكِن سَوفَ تَراهُم فِي الجَنّاتِ؛ جَنّاتِ عَدنٍ وَ الفِردَوسِ، بِحَضرَةِ مُحَمَّدٍ في نَعيمِها يَتَقَلَّبونَ، و في خَيراتِها يَتَبَحبَحونَ[٢]، أ فَتُحِبُّ أن اسمِعَكَ كَلامَهُم؟
فَقالَ: نَعَم إلهي!
قالَ اللّهُ جَلَّ جَلالُهُ: قُم بَينَ يَدَيَّ، وَ اشدُد مِئزَرَكَ قِيامَ العَبدِ الذَّليلِ بَينَ يَدَيِ المَلِكِ الجَليلِ.
فَفَعَلَ ذلِكَ موسى عليه السلام، فَنادى رَبُّنا عز و جل: يا امَّةَ مُحَمَّدٍ! فَأَجابوهُ كُلُّهُم و هُم في أصلابِ آبائِهِم و أرحامِ امَّهاتِهِم: لَبَّيكَ اللّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لا شَريكَ لَكَ لَبَّيكَ، إنَّ الحَمدَ وَ النِّعمَةَ وَ المُلكَ لَكَ، لا شَريكَ لَكَ.
قالَ: فَجَعَلَ اللّهُ عز و جل تِلكَ الإِجابَةَ شِعارَ الحاجِّ.
ثُمَّ نادى رَبُّنا عز و جل: يا امَّةَ مُحَمَّدٍ! إنَّ قَضائي عَلَيكُم أنَّ رَحمَتي سَبَقَت غَضَبي،
و عَفوي قَبلَ عِقابي، فَقَدِ استَجَبتُ لَكُم مِن قَبلِ أن تَدعوني، و أعطَيتُكُم مِن قَبلِ أن تَسأَلوني، مَن لَقِيَني مِنكُم بِشَهادَةِ أن لا إلهَ إلَّا اللّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، و أنَّ مُحَمَّدا عَبدُهُ و رَسولُهُ، صادِقٌ في أقوالِهِ، مُحِقٌّ في أفعالِهِ، و أنَّ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ أخوهُ و وَصِيُّهُ مِن بَعدِهِ و وَلِيُّهُ، يُلتَزَمُ طاعَتُهُ كَما يُلتَزَمُ طاعَةُ مُحَمَّدٍ، و أنَّ أولِياءَهُ المُصطَفَينَ الطّاهِرينَ المُطَهَّرينَ المُنبِئينَ بِعَجائِبِ آياتِ اللّهِ و دَلائِلِ حُجَجِ اللّهِ مِن بَعدِهِما أولِياؤُهُ، أدخَلتُهُ جَنَّتي ....
قالَ عليه السلام: فَلَمّا بَعَثَ اللّهُ عز و جل نَبِيَّنا مُحَمَّدا صلى الله عليه و آله قالَ: يا مُحَمَّدُ «وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا»[٣] امَّتَكَ بِهذِهِ الكَرامَةِ. ثُمَّ قالَ عز و جل لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله: قُل: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» عَلى مَا اختَصَّني بِهِ مِن هذِهِ الفَضيلَةِ، و قالَ لِامَّتِهِ: قولوا أنتُم: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» عَلى مَا اختَصَّنا بِهِ مِن هذِهِ الفَضائِلِ.[٤]
[١] التَّهافُت: التساقُط قطعةً قطعة( الصحاح: ج ١ ص ٢٧١« هفت»).
[٢] تَبَحبَحَ: تَمكَّنَ في الحُلولِ و المَقامِ( لسان العرب: ج ٢ ص ٤٠٧« بحح»).
[٣] القصص: ٤٦.
[٤] عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج ١ ص ٢٨٢ ح ٣٠، علل الشرائع: ص ٤١٦ ح ٣، بشارة المصطفى: ص ٢١٢ كلّها عن محمّد بن زياد و محمّد بن سيّار عن الإمام العسكري عن آبائه عليهم السلام، التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام: ص ٣٠ ح ١١، بحار الأنوار: ج ٩٢ ص ٢٢٤ ح ٢.