المحسن السّبط مولود أم سقط - الخرسان، السيد محمد مهدي - الصفحة ٣٨٩
أمهلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم ، افتتحت كلامها بالحمد لله ( عزّ وجلّ ) والثناء عليه ، والصلاة على رسول الله ٦ ، ثمّ قالت : « ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) [١] ، فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم ، وأخا ابن عمّي دون رجالكم ، فبلّغ الرسالة صادعاً بالنذارة ، مائلاً عن سنن المشركين ، ضارباً ثَبجهم ، يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، آخذاً بأكظام المشركين ؛ يهشم الأصنام ، ويفلِّق الهام ، حتى انهزم الجمع وولّوا الدّبر ، وحتى تفرّى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقائق الشياطين ، وتمّت كلمة الإخلاص ، وكنتم على شفا حفرةٍ من النار ، نهزة الطامع ، ومذْقَة الشارب ، وقبْسة العجلان ، وموطأ الأقدام ، تشربون الطَّرْق ، وتقتاتون القِدّ ؛ أذلة خاسئين ، يختطفكم الناس من حولكم ، حتى أنقذكم الله برسوله ٦ بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مُني بهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب ، و ( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ ) [٢] ، أو نجم قرن الشيطان ، أو فغرت فاغرة قذف أخاه في لهواتها ، ولا ينكفي حتى يطأ صماخها باخمصه ويطفيء عادية لهبها بسيفه ـ أو قالت : يخمد لهبها بحدّه ـ مكدوداً في ذات الله ، وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون ».
إلى هنا انتهى خبر أبي العيناء عن ابن عائشة ، وأما عروة عن عائشة ، فزاد بعد هذا : حتى إذا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ، ظهرت حسيكةُ النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغَ خامل الآفكين ، وهدر فنيق المُبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه صارخاً بكم ، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين ، ولقربه متلاحظين ، ثمّ استنهضكم فوجدكم خِفافاً ، وأحمشكم فألفاكم غضاباً ،
[١] التوبة : ١٢٨.
[٢] المائدة : ٦٤.