المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٤ - الأمر الأوّل في إمكان التعبّد بغير العلم
فهو شرّ قليل في مقابل الخير الكثير، لأنّ العمل بالظنون المعتبرة يوصل المكلّف إلى الواقع بمساحة أوسع، وبذلك يظهر أنّ شبهة ابن قبة ليست بشيء، لأنّه إذا دار الأمر بين الشرّ القليل الّذي فيه خير كثير، وبين الشر الكثير الّذي يوجب خروج الناس عن الدين زرافات ووحداناً، فالعقل يحكم بتعيّن القسم الأوّل.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى المحاذير الثلاثة، فنقول:
ليس للشارع في باب الأمارات إلاّ إمضاء ما بيد العقلاء والسيرة المستمرّة عندهم، ومن المعلوم أنّ الأمارات عندهم أشبه بوسائل توصل المكلّف إلى الضالة المنشودة، فإن طابقت الواقع فهو المطلوب، وإن خالفت الواقع فلم يكن هناك أيّ حكم مجعول.
وإن شئت قلت: إنّ دور الأمارات عندهم هو تنجيز الواقع إن أصاب والتعذير إن خالف، فليس في موردها حكم وراء الواقع .
وبذلك يظهر الجواب عن المحذور الخطابي، فإنّ اجتماع الضدين أو المثلين أو طلبهما فرع وجود حكم ثان يعدّ ضدّاً أو مثلاً للواقع، فإذا كان الحكم الظاهري منتفياً ولم يكن للأمارة دور سوى الإيصال فلا موضوع للاجتماع ولا لطلب الضدّين.
وما ذكرناه مقتبس من الجواب الأوّل للمحقّق الخراساني حيث قال: إنّ جعل الحجّية لا يستتبع حكماً شرعياً... إلى آخر ما قال. والفرق بين الجوابين هو أنّه تصوّر أنّ للشارع تأسيساً في باب الأمارات وتدخّلاً فيها بجعلها