المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٠ - الأوّل الاستدلال بالقرآن الكريم
والآية نزلت في المتخلّفين عن غزوة تبوك فقد بقوا في المدينة حتّى رجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الغزوة وهم بعدُ مشغولون بالتجارة والزراعة، فصعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)المنبر وخاطب الناس وقال: «لا تبايعوهم ولا تناكحوهم ولا تعاشروهم» فصارت المدينة بسبب هذا الحصار الاقتصادي سجناً عليهم، فشعروا عند ذلك أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه، فغادروا المدينة نازلين الجبال نادمين مستغفرين فتاب الله عليهم، والشاهد في الآية قوله: (وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ) حيث إنّ الظن بمعنى الاطمئنان والشعور الباطني سواءً وصل إلى حد اليقين أم شارفه .
٣. ترجيح أحد الدليلين استناداً إلى الأُمور الواهية الّتي هي أشبه بالخرص والتخمين وإظهار النظر من دون دليل مقنع كما كان ذلك حال المشركين حيث كانوا يُسمّون الملائكة تسمية الأُنثى.
والشاهد على استعماله في الترجيح الواهي قوله سبحانه: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)[١].
ترى أنّه سبحانه أتى بعد قوله: (إِلاَّ الظَّنَّ) بقوله: (وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) تفسيراً للظن .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه أُريد من الظن الوارد في الآية الأُولى الخرص والتخمين بشهادة قوله في الآية الأُولى: (لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى)
[١] الأنعام: ١١٦ .