مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٩ - النبي والاَُمور الدنيوية
حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّ وجلّ»، لاَنّ فيه تلميحاً إلى أنّه ـ والعياذ باللّه ـ يكذب في مواضع أُخر.
فلو كانت الرواية ونظائرها مصدراً للعقيدة، فسيعقبها جهل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم -
بأبسط السنن الجارية في الحياة، فهل يصح التفوّه بذلك؟!
٢.روى ابن هشام أنّ الحباب بن منذر بن الجموح قال لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم -
في غزوة بدر: يا رسول اللّه أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه اللّه ليس لنا أن
نتقدّمه، ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: «بل هو الرأي والحرب وا لمكيدة؟» فقال: يا رسول اللّه، فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ثمّ نغور ماوراءه من القُلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملوَه ماء، ثمّنقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون.
فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لقد أشرت بالرأي». فنهض رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثمّ أمر بالقُلب فغوِّرت، وبنى حوضاً على القُلـب الذي نزل عليه فملىَ ماء، ثمّقذفوا فيه الآنية.[١]
أقول: إنّ متابعة قول الصحابي الحباب بن منذر لم ينشأ عن خطأ رأي النبي
- صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في المنزل الذي نزلوه، بل انّ كلا الرأيين كانا على صواب، ولكن نزل
عند رغبة الحباب بن منذر إجلالاً له ودعماً لمبدأ الشورى في الحرب ليتّخذوه
أصلاً في أُمور دنياهم بغية استقطاب قلوب الناس إلى الاِسلام قال سبحانه: "فَبِما
رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَولِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَاسْتَغْفِر لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الاََمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْعَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ
[١] ابن هشام: السيرة النبوية: ٢|٦٢٠.