مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٢ - أدلة حجّية قول الصحابي
لا خلاف بين أصحابنا المتقدّمين والمتأخرين انّ قول الواحد من الصحابة حجّة فيما لا مدخل للقياس في معرفة الحكم فيه، وذلك لاَنّ أحداً [منهم] لا يظن بهم المجازفة في القول، ولا يجوز أن يحمل قولهم في حكم الشرع على الكذب؛ فإنّ طريق الدين من النصوص إنّما انتقل إلينا بروايتهم، وفي حمل قولهم على الكذب والباطل قولٌ بفسقهم، وذلك يبطل روايتهم.
فلم يبق إلاّ الرأي أو السماع ممّن ينزل عليه الوحي، ولا مدخل للرأي (القياس) في هذا الباب، فتعيّن السماع وصار فتواه مطلقاً كروايته عن رسول اللّه، ولا شكّ انّه لو ذكر سماعه من رسول اللّه لكان ذلك حجّة لاِثبات الحكم به، فكذلك إذا أفتى به ولا طريق لفتواه إلاّ السماع، ولهذا قلنا: إنّ قول الواحد منهم فيما لا يوافقه القياس يكون حجّة في العمل به كالنص يترك القياس به [١]
وخلاصة كلامه: أنّ قول الصحابي إن كان موافقاً للقياس نحدس بأنّه رأيه ونظره استند إلى القياس فلا يكون حجّة للمجتهد الآخر، وأمّا إذا كان مخالفاً للقياس، فلا يكون لقوله مبدأ سوى السماع عن الرسول ويكون حجّة.
يلاحظ على كلامه بوجوه:
الاَوّل: أنّ كلامه مبنيّعلى أنّ للاجتهاد دعامتين: إحداها: القياس، والاَُخرى:
النص. فإذا كان قول الصحابي مخالفاً للقياس، فيكون دليلاً على أنّه اعتمد على
النص ونقله، ولكنّك خبير بأنّ للاجتهاد دعامات أُخرى، فمن الممكن أن يستند
[١] أُصول السرخسي:٢|١١٠ بتلخيص.