مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٠ - رسالة مالك إلى الليث
وإن خالفهم مخالف أو قال امروَ غيره أقوى منه أو أولى، ترك قوله وعمل بغيره، ثمّ كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الاَمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لاَحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لاَحد انتحالها ولا ادّعاوَها، ولو ذهب أهل الاَمصار يقولون هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منّا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم.
فانظر رحمك اللّه فيما كتبت إليك فيه لنفسك، واعلم أنّي أرجو أن لا يكون دعاني إلى ما كتبت به إليك إلاّالنصيحة للّه تعالى وحده، والنظر لك والضن بك، فانزل كتابي منك منزلته، فإنّك إن فعلت تعلم أنّي لم آلك نصحاً. وفقنا اللّه وإيّاك لطاعته وطاعة رسوله في كلّ أمر وعلى كلّ حال. والسلام عليك ورحمة اللّه، وكتب يوم الاَحد لتسع مضين من صفر. [١]
ولم تكن رسالة مالك إلى الليث مقنعة لمن أتى بعده، فقد رد عليه ابن حزم الظاهري قائلاً في إبطال قول من قال: الاِجماع هو إجماع أهل المدينة، فإنّ هذا قول لهج به المالكيون قديماً وحديثاً، وهو في غاية الفساد، لاَنّ قولهم: إنّ أهل المدينة أعلم بأحكام رسول اللّه من سواهم كذب وباطل، وإنّما الحقّ انّ أصحاب رسول اللّه وهم العالمون بأحكامه سواء بقى منهم من بقى بالمدينة، أو خرج منهم من خرج لم يزد [٢] الباقي بالمدينة بقاوَه فيها درجة في علمه وفضله ولا حطّ [٣] الخارج منهم عن المدينة خروجه عنها درجة من علمه وفضله.
وأمّا قولهم: شهدوا آخر حكمه وعلموا ما نسخ ممّا لم ينسخ، فتمويه
[١] القاضي عياض: ترتيب المدارك: ١|٦٤ـ٦٥.
[٢] في المطبوع: لم يرد، وهو تصحيف.
[٣] في المطبوع: لاحظ، وهو تصحيف.