مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٨ - تمحيص السنة النبويّة وتدوينها
في عصر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - روى ابن عباس، قال: لما اشتدّ بالنبي الوجع قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده».
قال عمر: إنّ النبي غلبه الوجع، وعندنا كتاب اللّه، حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط.
قال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع».
فخرج ابن عباس يقول:
إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه وبين كتابه. [١]
ولا أظن أحداً يوافق الخليفة فيما ادّعاه، و إنّما هي كلمة صدرت عنه للحيلولة دون كتاب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ولم يكن هذا المنع هو الموقف الاَخير من الخليفة، بل له مواقف أُخرى أشدّ من ذلك، فقد منع كتابة الحديث و تدوينه بعد رحيل الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بوجه بات، وبذلك جسّد ما قاله أمام النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : حسبنا كتاب اللّه، وصار منعه فيما بعد سنّة رائجة إلى أواسط القرن الثاني.
روى عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن و انّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها، وتركوا كتاب اللّه، وانّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء أبداً. [٢]
وروى ابن جرير أنّ الخليفة عمر بن الخطاب كان كلّما أرسل حاكماً أو والياً
إلى قطر أو بلد، يوصيه في جملة ما يوصيه: جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمد
[١] البخاري: الصحيح: ١|٣٩، كتاب العلم، باب كتابة العلم.
[٢] تقييد العلم: ٤٩.