مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤١ - مناقشة بعض الأمثلة الواردة في المقام
أقول: إنّ القول بعدم ضمان الغاصب المنافع المستوفاة مستند إلى ما تفرّد بنقله عروة بن الزبير عن عائشة أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قضى أنّ الخراج بالضمان.[١]
فزعمت الحنفية انّ ضمان قيمة المغصوب لا يجتمع مع ضمان المنافع، وذلك لاَنّ ضمان العين في مقابل كون الخراج له، ولكن الاجتهاد غير صحيح جداً، لاَنّ الحديث ناظر إلى البيوع الصحيحة، مثلاً: إذا اشترى عبداً أو غيره فيستغلّه زماناً ثمّ يعثر منه على عيب كان فيه عند البائع، فله ردّ العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله، لاَنّ المبيع لو تلف في يده لكان في ضمانه ولم يكن له على البائع شيء، والباء في قوله بالضمان متعلّق بمحذوف تقديره: الخراج مستحق بالضمان، أي في مقابلة الضمان، أي منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بطرف المبيع.
هذا هو معنى الحديث، وعليه شرّاح الحديث [٢] ولا صلة له بغصب الغاصب مال الغير واستغلال منافعه .
والذي يفسّر الحديث وراء فهم الشرّاح انّ عروة بن الزبير نقل عن عائشة أنّ رجلاً اشترى عبداً، فاستغلّه ثمّ وجد به عيباً فردّه، فقال: يا رسول اللّه إنّه قد استغلّ غلامي، فقال رسول اللّه: «الخراج بالضمان». [٣]
وقد ورد من طرقنا أنّ الاِمام الصادق - عليه السّلام - لمّا سمع فتوى أبي حنيفة بعدم ضمان الغاصب قيمة المنافع التي استوفاها، قال: «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءَها وتمنع الاَرضُ بركتها». [٤]
[١] مسند أحمد بن حنبل: ٦|٤٩؛ وسنن الترمذي:٣، كتاب البيوع برقم ١٢٨٦؛ وسنن النسائي: ٧|٢٥٤، باب الخراج بالضمان.
[٢] لاحظ شرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الاِمام السندي على سنن النسائي وغيره.
[٣] سنن ابن ماجه:٢، برقم ٢٢٤٣.
[٤] وسائل الشيعة: الجزء ١٣، الباب ١٧ من أبواب أحكام الاِجارة، الحديث ١ والحديث طويل جدير بالمطالعة.