مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٣ - النبي والاَُمور الدنيوية
ثم ما معنى نزول قوله سبحانه: "سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ" في صلاة النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على المنافق «عبد اللّه بن أُبيّ» مع أنّه نزل في غزوة بني المصطلق، ويرجع تاريخه إلى العام السادس من الهجرة في حين توفّي عبد اللّه بن أُبيّ في العام التاسع.
ثمّ إنّ هناك من حاول تصحيح تلك الروايات بقوله: إنّ النبي استغفر وصلّى على عبد اللّه ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الاِسلام. [١]
وهذه المحاولة من الوهن بمكان إذ كيف يصحّ للنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يخالف النص القرآني الصريح بغية استمالة قلوب المنافقين والمداهنة معهم، وقد ندّد اللّه سبحانه بمثل هذا العمل وتوعد به وقال: "وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ... إِذاً لاَذْقناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً" . [٢]
والحقّ انّ رواة هذا الحديث حاولوا تعظيم أمر الخليفة بما يمسّ كرامة النبي
- صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من حيث لا يشعرون، وليس هذا بجديد، فقد رووا في غير واحد ما
يشبهه حيث نقلوا:
١. انّ الخليفة رأى ان تحجب نساء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فنزل القرآن بموافقته. [٣]
٢. رأى الخليفة أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلّى، فنزل القرآن بموافقته. [٤]
وقد مرّ أنّ عمر رأى في أُسارى بدر أن تضرب أعناقهم، فنزل القرآن
بموافقته كما مرّ والدواعي من وراء جعل تلك الروايات هي العاطفة الدينية التي
أخذتهم على الخليفة.
[١] تفسير المنار: ١٠|٦٦٩.
[٢] الاِسراء: ٧٣ـ٧٥.
[٣] الدر المنثور: ٦|٦٣٩.
[٤] الدر المنثور: ١|٢٩٠.